في تطور يعكس التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، ردت الصين بحزم على تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، التي ألمح فيها إلى رغبة بكين في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند. هذه الاتهامات أثارت جدلاً واسعاً حول مستقبل القطب الشمالي وأهميته الاستراتيجية المتزايدة.
دعت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، الولايات المتحدة إلى الإحجام عن استخدام الدول الأخرى «ذريعة لتحقيق مصالحها الخاصة»، مؤكدة أن «القطب الشمالي منطقة تخص المصالح العامة للمجتمع الدولي برمته». وأضافت نينغ أن أنشطة الصين في القطب الشمالي تهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة، داعية إلى احترام حقوق وحريات جميع الدول في القيام بأنشطة مشروعة هناك. هذا الموقف الصيني يعكس رؤية بكين للقطب الشمالي كمنطقة للتعاون الدولي، بعيداً عن الصراعات الجيوسياسية.
تأتي تصريحات ترمب في سياق اهتمام أمريكي تاريخي بغرينلاند. ففي عام 1946، حاولت الولايات المتحدة شراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار، وهو ما يبرز الأهمية الاستراتيجية التي أولتها واشنطن لهذه المنطقة منذ عقود. وقد أعلن ترمب صراحة أن الولايات المتحدة ستضم غرينلاند «بطريقة أو بأخرى»، مشدداً على أنه «إذا لم نسيطر عليها، فستفعل ذلك روسيا أو الصين». هذه التصريحات كشفت عن قلق أمريكي عميق من تزايد النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي، وهو ما يعتبره البعض تهديداً للمصالح الأمنية الأمريكية.
تتمتع غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، بموقع جغرافي فريد يمنحها أهمية استراتيجية قصوى. فهي تقع عند مفترق طرق بين أمريكا الشمالية وأوروبا والقطب الشمالي، وتعد نقطة محورية في الممرات الملاحية المحتملة التي ستظهر مع ذوبان الجليد. بالإضافة إلى ذلك، تزخر الجزيرة بموارد طبيعية هائلة غير مستغلة، بما في ذلك المعادن النادرة، النفط، والغاز الطبيعي، والتي تزداد قيمتها مع التقدم التكنولوجي وسهولة الوصول إليها بسبب التغير المناخي. كما تستضيف قاعدة ثول الجوية الأمريكية، وهي جزء حيوي من نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي، مما يعزز من قيمتها العسكرية.
من جانبها، كثفت الصين جهودها في القطب الشمالي خلال السنوات الأخيرة، معلنة نفسها «دولة شبه قطبية» ومطلقة مبادرة «طريق الحرير القطبي». تهدف بكين من خلال هذه المبادرة إلى تطوير طرق ملاحية جديدة عبر القطب الشمالي، وتوسيع أنشطتها في البحث العلمي واستكشاف الموارد. هذه التحركات الصينية، وإن كانت تبررها بكين بأهداف سلمية وعلمية، إلا أنها تثير قلق القوى الغربية، التي ترى فيها محاولة لتوسيع النفوذ الجيوسياسي والاقتصادي في منطقة حساسة.
هذا الجدل حول غرينلاند لا ينفصل عن التنافس الأوسع بين الولايات المتحدة والصين على الساحة الدولية. فالقطب الشمالي، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كمنطقة نائية، أصبح الآن ساحة جديدة لهذا التنافس، حيث تتسابق القوى الكبرى لتأمين مصالحها الاقتصادية والأمنية. إن أي محاولة لتغيير الوضع الراهن في غرينلاند، سواء بالاستحواذ أو بزيادة النفوذ، يمكن أن يكون لها تداعيات إقليمية ودولية خطيرة، وتؤثر على التوازنات الجيوسياسية القائمة.
وفي هذا السياق، حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن في وقت سابق، من أن أي محاولة للاستيلاء بالقوة على الجزيرة ذات الحكم الذاتي الغنية بالمعادن، ستعني «نهاية كل شيء»، بما في ذلك نظام الأمن القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الدنمارك، بصفتها عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تؤكد على سيادتها الكاملة على غرينلاند، وتشدد على أن مستقبل الجزيرة يقرره شعبها بالتشاور مع كوبنهاغن، وليس من خلال صفقات أو تهديدات خارجية. هذا الموقف الدنماركي يعكس التزاماً بالسيادة الوطنية والقانون الدولي، ويضع حداً لأي طموحات توسعية محتملة.
إن التوترات الأخيرة حول غرينلاند تسلط الضوء على ضرورة اتباع نهج متعدد الأطراف في إدارة شؤون القطب الشمالي، يضمن احترام سيادة الدول، ويعزز التعاون الدولي للحفاظ على هذه المنطقة الحيوية كمنطقة للسلام والتنمية المستدامة، بعيداً عن شبح الصراعات الجيوسياسية.


