spot_img

ذات صلة

غرينلاند: خطة ترمب، الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية

غرينلاند في مرمى واشنطن: أبعاد خطة ترمب الاستراتيجية والجيوسياسية

كشفت مصادر مطلعة عن توجيه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب لقادة قواته الخاصة بوضع خطة محتملة لـ “غزو” جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك. هذا التوجه، الذي قوبل بمعارضة شديدة من كبار المسؤولين العسكريين، يسلط الضوء على الأهمية الجيوسياسية المتزايدة لهذه المنطقة القطبية.

الصقور يتحركون بسرعة: دوافع متعددة وراء الاهتمام الأمريكي

وفقًا للمصادر، فإن “الصقور” المقربين من ترمب، وعلى رأسهم مستشاره السياسي ستيفن ميلر، ازدادوا جرأةً بعد نجاح عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مما دفعهم للرغبة في التحرك سريعًا للاستيلاء على الجزيرة قبل أن تُقدم روسيا أو الصين على أي خطوة. لم يكن هذا الاهتمام مجرد نزوة، بل كان جزءًا من رؤية أوسع للمصالح الأمريكية. وقد نقلت صحيفة «ديلي ميل» عن دبلوماسيين بريطانيين أن أحد الدوافع المحتملة لترمب كان صرف انتباه الناخبين الأمريكيين عن أداء الاقتصاد الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي، في محاولة لتجنب فقدان سيطرته على الكونغرس لصالح الديمقراطيين.

تاريخ طويل من الاهتمام الأمريكي بغرينلاند

إن اهتمام الولايات المتحدة بغرينلاند ليس وليد اللحظة، بل يمتد لعقود طويلة. ففي عام 1867، أبدى الرئيس الأمريكي أندرو جونسون اهتمامًا بشراء الجزيرة. وتكرر الأمر في عام 1946 عندما عرض الرئيس هاري ترومان على الدنمارك مبلغ 100 مليون دولار لشرائها، بعد أن أدركت واشنطن أهميتها الاستراتيجية خلال الحرب العالمية الثانية. هذا التاريخ يؤكد أن غرينلاند لطالما كانت نقطة محورية في الحسابات الجيوسياسية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالدفاع عن القطب الشمالي.

غرينلاند: ثروات طبيعية وأهمية استراتيجية لا تقدر بثمن

تعد غرينلاند جزءًا من مملكة الدنمارك، وتتمتع بحكم ذاتي واسع، لكنها ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي. تكتسب الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة بسبب ثرواتها الهائلة من المواد الخام، بما في ذلك المعادن النادرة، اليورانيوم، الزنك، الرصاص، الذهب، والماس، والتي لا تزال رواسبها غير مستغلة إلى حد كبير. بالإضافة إلى ذلك، يشكل موقعها قاعدة للسيطرة العسكرية على منطقة القطب الشمالي، التي أصبحت ساحة تنافس دولي متزايد.

لقد شدد ترمب مرارًا على أن بلاده تحتاج غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، لافتًا إلى تزايد وجود السفن الصينية والروسية في منطقة القطب الشمالي بوصفه تهديدًا. يقع موقع غرينلاند على أقصر مسار محتمل للصواريخ بين روسيا والولايات المتحدة، مما يجعلها جزءًا محوريًا من الدرع الأمريكية المضادة للصواريخ، وتحديداً قاعدة ثول الجوية، التي تعد منشأة حيوية لنظام الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية التابع للولايات المتحدة وقيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (NORAD).

القطب الشمالي: ساحة صراع جيوسياسي جديدة

مع ذوبان الجليد القطبي نتيجة لتغير المناخ، تفتح طرق شحن جديدة مثل الممر الشمالي الغربي والطريق البحري الشمالي، مما يقلل بشكل كبير من أوقات السفر بين القارات. هذا التطور لا يفتح آفاقًا اقتصادية جديدة فحسب، بل يزيد أيضًا من التنافس الجيوسياسي على المنطقة. تسعى روسيا والصين لتعزيز نفوذهما في القطب الشمالي، مما يجعل السيطرة على غرينلاند أكثر أهمية لواشنطن لضمان تفوقها الاستراتيجي في هذه المنطقة الحيوية.

ردود الفعل الدولية وتأثيرها

صعدت واشنطن لهجتها في الفترة الأخيرة بشأن السيطرة على غرينلاند، ما أثار قلقًا بالغًا لدى حلفاء واشنطن في أوروبا، وخاصة الدنمارك التي رفضت بشكل قاطع أي فكرة لبيع الجزيرة. وقد وصف رئيس وزراء الدنمارك آنذاك، ميت فريدريكسن، فكرة البيع بأنها “سخيفة”. هذا التوتر الدبلوماسي أظهر حساسية القضية وتأثيرها المحتمل على العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، في وقت كان من المقرر فيه إجراء محادثات بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ومسؤولين من الدنمارك.

غرينلاند: حجم هائل وسكان قليلون

يذكر أنه في نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة تمتلك 15 قاعدة عسكرية في غرينلاند. ولم يتبق منها اليوم، سوى قاعدة واحدة، هي قاعدة ثول الجوية على الساحل الشمالي الغربي للجزيرة. ومنذ عام 1951، منح اتفاق جرى تعديله في 2004 – الولايات المتحدة حق القيام فعلاً بما تشاء على أراضي الجزيرة، شريطة إبلاغ الدنمارك وغرينلاند مسبقًا. تبلغ مساحة الجزيرة 2.2 مليون كيلومتر مربع (849,424 ميلاً مربعًا)، أي ما يعادل نحو 20% من مساحة القارة الأوروبية. وتقع في نصف الكرة الغربي، وتبلغ مساحتها مساحة ألاسكا، أكبر ولاية أمريكية، ويقطنها نحو 57 ألف نسمة فقط. ومن شأن ضمها أن يدفع أمريكا لتصبح ثالث أكبر دولة من حيث المساحة بعد روسيا وكندا. تضم غرينلاند رواسب غير مستغلة من المعادن النادرة، وقد تصبح لاعبًا حيويًا مع ذوبان الجليد القطبي – نتيجة تغير المناخ – وفتح طرق شحن جديدة.

إن الاهتمام الأمريكي المتجدد بغرينلاند يعكس تحولاً أوسع في الأولويات الجيوسياسية العالمية، حيث أصبح القطب الشمالي، بكنوزه الطبيعية وممراته الملاحية المحتملة، نقطة محورية في صراع القوى العظمى على النفوذ والسيطرة.

spot_imgspot_img