spot_img

ذات صلة

ماكرون يلوح بانتخابات مبكرة في فرنسا: أزمة الموازنة وحجب الثقة

يواجه المشهد السياسي الفرنسي حالة من الترقب والتوتر الشديد، حيث يلوح الرئيس إيمانويل ماكرون بإمكانية حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة. يأتي هذا التهديد في ظل معارضة قوية للحكومة التي تسابق الزمن لإقرار الموازنة الجديدة لعام 2026، والتي تواجه اعتراضات حادة في البرلمان. هذا السيناريو، الذي يهدف إلى كسر الجمود السياسي وتجنب الفوضى، يعكس التحديات العميقة التي تواجه إدارة ماكرون في ظل غياب الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية، وهو وضع يفرض عليه التفاوض المستمر مع الكتل البرلمانية المختلفة أو اللجوء إلى آليات دستورية استثنائية.

السياق العام والخلفية التاريخية:

يُعد حق رئيس الجمهورية في حل الجمعية الوطنية والدعوة لانتخابات مبكرة صلاحية دستورية مهمة في النظام شبه الرئاسي الفرنسي، منصوص عليها في المادة 12 من الدستور. هذه الصلاحية تُستخدم عادةً لحل الأزمات السياسية أو لطلب تفويض شعبي جديد في حال وجود حكومة ضعيفة أو برلمان معارض. تاريخياً، شهدت فرنسا حالات حل للبرلمان، كان آخرها عام 1997 عندما دعا الرئيس جاك شيراك إلى انتخابات مبكرة أدت إلى “تعايش” سياسي (cohabitation) مع حكومة يسارية. يسعى ماكرون، الذي يفتقر حزبه “النهضة” وحلفاؤه إلى أغلبية مطلقة منذ انتخابات 2022 التشريعية، إلى تجنب سيناريو “التعايش” الذي قد يشل قدرة حكومته على تنفيذ أجندتها الإصلاحية، خاصة بعد الصعوبات التي واجهها في تمرير قوانين رئيسية مثل إصلاح نظام التقاعد.

المرحلة النهائية للتفاوض وتصاعد التوتر:

تتصاعد حدة التوتر مع اقتراب النواب الفرنسيين من المرحلة النهائية للتفاوض على موازنة 2026 المتأخرة. وقد أكد وزير المالية الفرنسي رولان ليسكيور، في تصريحات متلفزة، أن “سقوط الحكومة سيؤدي منطقياً إلى حل البرلمان”، مشدداً على ضرورة التوصل السريع لاتفاق بشأن الموازنة لتجنب “الفوضى”. هذا التحذير جاء رداً على تهديد حزبين معارضين رئيسيين، وهما التجمع الوطني اليميني المتطرف وفرنسا الأبية اليساري، بتقديم مذكرة حجب ثقة ضد الحكومة. هذه المذكرات لم تأتِ فقط بسبب الموازنة، بل أيضاً رداً على مصادقة دول الاتحاد الأوروبي على اتفاقية التجارة مع تكتل ميركوسور في أمريكا الجنوبية، وهي اتفاقية تثير جدلاً واسعاً في فرنسا بسبب مخاوف تتعلق بالمعايير البيئية وتأثيرها المحتمل على القطاع الزراعي الفرنسي.

الاستعدادات المحتملة وتأكيدات رئاسية:

كشفت صحيفة لوموند الفرنسية عن توجيه رئيسة الوزراء إليزابيث بورن لوزير الداخلية لوران نونيز بالاستعداد لتنظيم انتخابات تشريعية محتملة، بالتزامن مع الانتخابات البلدية المقررة في 15 و22 مارس 2026. وتؤكد مصادر الصحيفة أن الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء متفقان على هذا السيناريو كخيار استراتيجي، مع التأكيد على أن القرار النهائي لحل البرلمان يظل صلاحية دستورية حصرية لرئيس الجمهورية. هذه الخطوة تعكس جدية التهديد الرئاسي ورغبة الإدارة في فرض حل للأزمة السياسية الراهنة.

مواقف حزبية انتهازية وتأثيرها:

انتقدت رئيسة الوزراء إليزابيث بورن ما وصفته بـ”المواقف الحزبية الانتهازية والساخرة” التي تؤخر مناقشات الموازنة. وفي منشور لها على منصة “إكس”، أكدت بورن موقف فرنسا الواضح من اتفاق ميركوسور، مشيرة إلى أن بلادها ستصوت ضده. واتهمت المعارضة بـ”تعمد إبراز خلافات سياسية داخلية وإضعاف صوت فرنسا على الساحة الدولية”، مضيفة أن هذه المذكرات تؤدي إلى مزيد من التأخير في نقاشات الموازنة المعطلة أصلاً بسبب “أجندات انتخابية” للأحزاب السياسية. من جانبه، رد زعيم حزب فرنسا الأبية، جان لوك ميلانشون، على احتمال حل البرلمان بقوله: “لسنا خائفين من الانتخابات. إذا أرادوا القيام بذلك، فليفعلوا”، مؤكداً استعداد حزبه للمواجهة الانتخابية.

نجاة سابقة وتأثيرها على المشهد الحالي:

تجدر الإشارة إلى أن الحكومة الفرنسية، برئاسة إليزابيث بورن، قد نجت من اقتراعين على حجب الثقة في أكتوبر الماضي. جاء ذلك بعد أن امتنع نواب الحزب الاشتراكي عن تأييد إجراءين تقدم بهما اليمين المتطرف واليسار الراديكالي لإسقاط الحكومة، وسط تصاعد الخلافات بشأن إجراءات إصلاح نظام التقاعد في فرنسا. فشلت محاولة حجب الثقة الأولى، التي تقدم بها حزب “فرنسا الأبية”، في الحصول على الأغلبية المطلوبة (289 صوتاً من أصل 577 نائباً)، حيث حصلت على 271 صوتاً فقط. هذه السوابق تظهر هشاشة وضع الحكومة في البرلمان، وتبرز التحدي المستمر الذي يواجهه ماكرون في تمرير سياساته دون أغلبية واضحة.

أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:

إن الدعوة المحتملة لانتخابات مبكرة تحمل تداعيات كبيرة على المستويين المحلي والإقليمي والدولي. محلياً، قد تؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الفرنسي بشكل جذري، مع إمكانية صعود قوى معارضة أو تعزيز موقف الأغلبية الرئاسية إذا ما نجح ماكرون في الحصول على تفويض شعبي أقوى. هذا من شأنه أن يؤثر مباشرة على قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحاتها الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك الموازنة المقترحة. إقليمياً، قد تؤثر حالة عدم اليقين السياسي في فرنسا، وهي إحدى الدول المحورية في الاتحاد الأوروبي، على استقرار الاتحاد ككل، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة. دولياً، يمكن أن يضعف صوت فرنسا على الساحة العالمية إذا كانت منشغلة بصراعات داخلية، مما يؤثر على دورها في القضايا الدولية الكبرى مثل الأمن والدفاع والتجارة. إن استقرار فرنسا السياسي والاقتصادي ضروري ليس فقط لمستقبلها، بل أيضاً لاستقرار منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي ككل.

spot_imgspot_img