أعلنت السلطات اللبنانية عن إنجاز تاريخي في ملف اللاجئين السوريين، حيث شهد العام 2025 عودة أكثر من نصف مليون لاجئ سوري إلى بلادهم. هذا الرقم وُصف بأنه «غير مسبوق» منذ اندلاع أزمة النزوح السوري الكبرى في عام 2011، مما يمثل تحولاً مهماً في أحد أكبر التحديات الإنسانية والاجتماعية التي واجهها لبنان والمنطقة.
جاء هذا الإعلان الرسمي على لسان وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد، التي أكدت في منشور لها عبر منصة «إكس» أن عملية العودة تمت «بطريقة آمنة ومستدامة». واستندت الوزيرة في تصريحاتها إلى بيانات دقيقة وصادرة عن المديرية العامة للأمن العام اللبناني، مما يضفي مصداقية على حجم الإنجاز وشفافية العملية.

سياق الأزمة السورية وتداعياتها على لبنان
لفهم أهمية هذا الإنجاز، لا بد من استعراض السياق التاريخي لأزمة النزوح السوري. فمنذ عام 2011، ومع تصاعد وتيرة الصراع في سوريا، شهد لبنان تدفقاً هائلاً للاجئين السوريين عبر حدوده. وقد بلغ هذا التدفق ذروته باستضافة ما يُقدر بنحو 1.5 إلى 1.8 مليون شخص، منهم حوالي 880 ألفاً مسجلين رسمياً لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. هذا العدد الهائل جعل لبنان البلد الأعلى عالمياً من حيث نسبة اللاجئين إلى عدد السكان، مما فرض ضغوطاً هائلة على بنيته التحتية المتهالكة أصلاً، واقتصاده المتأزم، وخدماته العامة، فضلاً عن التوترات الاجتماعية التي نتجت عن هذا العبء غير المسبوق.
على مدى سنوات، شكل ملف اللاجئين تحدياً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً كبيراً للحكومات اللبنانية المتعاقبة، مع دعوات متكررة من بيروت للمجتمع الدولي لتقاسم الأعباء وتسهيل العودة الطوعية والآمنة للاجئين. وقد تباينت المواقف الدولية حول إمكانية هذه العودة في ظل استمرار الصراع وعدم استقرار الأوضاع في سوريا.
عودة نهائية ومستدامة: مؤشر على تحول إقليمي
وأوضحت الوزيرة حنين السيد أن أسماء العائدين قد تم شطبها نهائياً من سجلات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما يؤكد على أن هذه العودة ليست مؤقتة بل تمثل انتقالاً فعلياً ومستداماً إلى سوريا. هذا الإجراء يعكس التزاماً من الأطراف المعنية بضمان استقرار العائدين وعدم تحولهم إلى نازحين مرة أخرى.

وأكدت الوزيرة أن بيروت ستواصل تنفيذ خطة العودة المنظمة خلال عام 2026 وما بعده، بالتنسيق المباشر مع الحكومة السورية في دمشق، وبمشاركة الشركاء الدوليين. ويشدد لبنان على أن تكون العودة طوعية وتحفظ كرامة العائدين، وفي الوقت نفسه تخدم المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، مما يوازن بين الاعتبارات الإنسانية والسيادية.
تأثير سقوط نظام الأسد وتسارع وتيرة العودة
شهدت وتيرة العودة تسارعاً ملحوظاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وتولي الرئيس أحمد الشرع السلطة في سوريا. هذا التحول السياسي الجذري أوجد بيئة جديدة، يُنظر إليها على أنها أكثر ملاءمة لعودة اللاجئين، حيث زالت العديد من المخاوف الأمنية والسياسية التي كانت تعيق العودة في السابق. في يونيو 2025، أطلقت الحكومة اللبنانية خطة متعددة المراحل للعودة المنظمة، مستفيدة من هذا التطور.

وشملت خطة الحكومة اللبنانية تسهيلات إدارية وقانونية مهمة، مثل الإعفاء من الغرامات والمخالفات حتى نهاية عام 2025، مما خفف الأعباء عن العائدين. بالإضافة إلى ذلك، تم توفير برامج دعم شاملة من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) ومنظمة الهجرة الدولية (IOM)، والتي تضمنت مساعدات نقدية واستشارات قانونية، بهدف ضمان عودة كريمة ومستقرة.
الآثار المتوقعة والتحديات المستقبلية
إن عودة هذا العدد الكبير من اللاجئين تحمل آثاراً إيجابية محتملة على الصعيدين اللبناني والسوري. ففي لبنان، يمكن أن تخفف هذه العودة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الهائلة، وتساهم في استقرار السوق المحلية وتخفيف العبء على الخدمات العامة. أما في سوريا، فتمثل عودة اللاجئين عنصراً حيوياً في جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتساهم في استعادة النسيج الاجتماعي والديموغرافي للبلاد، خاصة في المناطق التي شهدت نزوحاً كبيراً.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يمكن أن تكون هذه العودة نموذجاً يحتذى به لإدارة أزمات اللجوء المستقبلية، وتؤكد على أهمية الحلول المستدامة التي تتجاوز مجرد الإغاثة الطارئة. كما أنها تسلط الضوء على الدور المحوري للتنسيق بين الدول المضيفة ودول المنشأ والمنظمات الدولية.
ورغم التقدم الكبير المحرز، لا تزال هناك مخاوف من بعض المنظمات الدولية والناشطين حول مدى «الطوعية الحقيقية» للعودة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الشديدة التي لا يزال يعاني منها لبنان، والتي قد تدفع بعض اللاجئين للعودة ليس بالضرورة لرغبتهم الكاملة بل لعدم وجود بدائل. كما أن التحديات الأمنية والاقتصادية المستمرة داخل سوريا، رغم التغيير السياسي، تتطلب مراقبة دقيقة ودعماً دولياً مستمراً لضمان استدامة العودة وكرامة العائدين. يتطلب الأمر جهوداً متواصلة لضمان توفر الخدمات الأساسية وفرص العمل والأمن للعائدين في وطنهم.


