spot_img

ذات صلة

إفلاس الشركات الألمانية يرتفع 15.2% وسط تحديات اقتصادية

أظهرت بيانات أولية صادرة عن مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني، ارتفاعاً ملحوظاً في حالات إفلاس الشركات، وذلك بناءً على الطلبات المقدمة في المحاكم الجزئية في جميع أنحاء البلاد. وسجلت هذه الحالات زيادة بنسبة 15.2% على أساس سنوي في ديسمبر 2025، مما يعكس تصاعداً في الضغوط الاقتصادية التي تواجهها أكبر قوة اقتصادية في أوروبا.

وأوضح المكتب أن هذه النسبة تمثل قفزة حادة مقارنة بزيادة بلغت 5.7% على أساس سنوي في نوفمبر الذي سبقه، مما يشير إلى تسارع وتيرة التدهور. ومع ذلك، نوه المكتب إلى أن هذه الأرقام هي قرارات أولية وليست نهائية، حيث تصدر الأحكام القضائية النهائية عادة بعد ثلاثة أشهر من تقديم الطلبات.

السياق الاقتصادي الألماني: تحديات متراكمة

تُعد ألمانيا، بفضل قطاعها الصناعي القوي واقتصادها الموجه نحو التصدير، محركاً رئيسياً للاقتصاد الأوروبي والعالمي. لكنها واجهت في السنوات الأخيرة سلسلة من التحديات التي أثرت على استقرارها الاقتصادي. فبعد التعافي من تداعيات جائحة كوفيد-19، تعرض الاقتصاد الألماني لضربة قوية جراء أزمة الطاقة التي تفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق. كما ساهمت معدلات التضخم المرتفعة وسياسات التشديد النقدي التي تبناها البنك المركزي الأوروبي في زيادة أعباء الاقتراض على الشركات، مما قلل من قدرتها على الاستثمار والتوسع.

تاريخياً، أظهر الاقتصاد الألماني مرونة كبيرة في مواجهة الأزمات، كما حدث خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008-2009، حيث تمكن من تجاوزها بتداعيات أقل حدة مقارنة بدول أخرى. لكن الوضع الحالي يبدو أكثر تعقيداً، حيث تتضافر عوامل داخلية وخارجية لتخلق بيئة صعبة للشركات، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد الألماني.

توقعات لمستويات إفلاس قياسية

في تحليل حديث، قدّر باحثون في معهد لايبنيز للأبحاث الاقتصادية في هاله أن حالات إفلاس الشركات خلال عام 2025 قد تصل إلى أعلى مستوى لها منذ 20 عاماً، متوقعين أن يبلغ عدد حالات الإفلاس 17,604 حالة. هذا التوقع يثير القلق بشكل خاص عند مقارنته بما حدث خلال الأزمة المالية عام 2009، حيث انخفض عدد حالات الإفلاس بنسبة 5% حينذاك، مما يسلط الضوء على خطورة الوضع الراهن.

تحذيرات من تراجع اقتصادي حاد وتأثيراته

لم تكن هذه التحذيرات وليدة اللحظة، فقد سبق لاتحاد غرف التجارة والصناعة الألمانية (DIHK) أن حذر من تراجع اقتصادي حاد يهدد أكبر اقتصاد أوروبي. وأكد رئيس الاتحاد، بيتر أدريان، على ضرورة إنجاز “المهمات الهيكلية” وتنفيذ “الإصلاحات الصحيحة” لضمان عودة ألمانيا إلى مسار النمو القوي والمستدام. وحذر من أن استمرار الركود أو ضعف النمو الاقتصادي سيؤدي إلى تخلف ألمانيا عن الركب الدولي.

إن تزايد حالات الإفلاس في ألمانيا له تداعيات واسعة النطاق، ليس فقط على المستوى المحلي من خلال فقدان الوظائف وتراجع الاستثمار، بل يمتد تأثيره ليشمل المنطقة الأوروبية بأسرها. فبصفتها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، يؤثر أي تباطؤ في ألمانيا بشكل مباشر على سلاسل التوريد والتجارة البينية، مما قد يضع ضغوطاً إضافية على اقتصادات الدول الأعضاء الأخرى. كما أن تراجع الثقة في الاقتصاد الألماني قد يؤثر على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وعلى مكانة اليورو كعملة عالمية.

دعوات عاجلة للإصلاح الاقتصادي

شدد أدريان على أن الحكومة الألمانية تفقد تدريجياً هامش المناورة اللازم لتصميم ميزانيتها بشكل عقلاني، داعياً إلى توجيه “كل الإشارات نحو النمو الاقتصادي بشكل حاسم ودون أي تردد”. هذه الدعوات تعكس إلحاح الحاجة إلى سياسات اقتصادية داعمة للشركات، وتخفيف الأعباء التنظيمية والضريبية، وتشجيع الابتكار والاستثمار في القطاعات المستقبلية لضمان قدرة ألمانيا على المنافسة عالمياً والخروج من هذه المرحلة الصعبة بأقل الخسائر الممكنة.

spot_imgspot_img