في تطور درامي يهدد بانهيار أحد أبرز المهرجانات الأدبية في أستراليا، أعلن نحو 90 كاتباً وروائياً ومفكراً، بينهم أسماء بارزة عالمياً ومحلياً، مقاطعتهم فعاليات أسبوع الكتاب في مهرجان أديلايد 2026، الذي يُقام في الفترة من 28 فبراير إلى 5 مارس. جاءت هذه المقاطعة الجماعية كرد فعل غاضب وموحد على قرار مجلس إدارة مهرجان أديلايد استبعاد الروائية والأكاديمية الفلسطينية الأسترالية البارزة الدكتورة راندا عبدالفتاح من برنامج المهرجان، وهي الأستاذة في جامعة ماكواري وكاتبة روايات للكبار واليافعين، والمعروفة بأعمالها التي تتناول قضايا الهوية والعدالة الاجتماعية.
يُعد مهرجان أديلايد الأدبي، الذي يُقام ضمن فعاليات مهرجان أديلايد الأوسع، أحد أقدم وأعرق المهرجانات الثقافية في أستراليا، حيث تأسس في عام 1960. لطالما كان المهرجان منصة حيوية لتبادل الأفكار الأدبية والفنية، واستضافة كبار الكتاب والمفكرين من جميع أنحاء العالم، مما أكسبه سمعة دولية كمركز للإبداع وحرية التعبير. تاريخياً، احتفى المهرجان بالتنوع الثقافي والأصوات المختلفة، مما جعل قرار استبعاد كاتبة بارزة مثل الدكتورة راندا عبدالفتاح أمراً صادماً ومثيراً للجدل في الأوساط الثقافية والأدبية.
واستند قرار إدارة المهرجان الثقافي الكبير إلى ما وصفه مخاوف تتعلق بـ«الحساسية الثقافية» في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي وقع في بوندي بيتش بسيدني يوم 14 ديسمبر 2025، والذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً بينهم أطفال وإصابة عشرات آخرين، خلال احتفال بمناسبة عيد «الحانوكا» اليهودي، ونفذه مسلحان ملهمان بتنظيم «داعش» الإرهابي.
اتهامات بالعنصرية الثقافية وتداعيات واسعة
وأوضح المجلس في بيانه أنه «لا يقصد بأي شكل» ربط عبدالفتاح أو كتاباتها بالهجوم المروع، لكنه اعتبر أن «تصريحاتها السابقة» التي تتعلق بدعمها القوي للقضية الفلسطينية وانتقاداتها للسياسات الإسرائيلية تجعل حضورها ذا «حساسية ثقافية» في السياق الوطني الحالي بعد الهجوم بأسابيع قليلة. هذا التبرير أثار موجة من الانتقادات الحادة، حيث رآه الكثيرون محاولة لربط الآراء السياسية المشروعة بأعمال العنف.
من جانبها، وصفت الدكتورة راندا عبدالفتاح القرار بأنه «عمل صارخ ووقح من العنصرية ضد الفلسطينيين»، معتبرة أنه «محاولة دنيئة لربطها بمجزرة بوندي»، مؤكدة أنها مضطرة للقول علناً: «ليس لي أي علاقة بجرائم بوندي». وطالبت الكاتبة الروائية باعتذار رسمي وإعادة دعوتها فوراً، وأرسلت إشعاراً قانونياً عبر محاميها تطالب فيه بكشف جميع التصريحات التي استند إليها القرار، مما يشير إلى عزمها على متابعة القضية قانونياً.
موجة مقاطعة واستقالات تهدد مستقبل المهرجان
وأثار قرار إدارة المهرجان ضد الكاتبة المشهورة موجة غضب واسعة النطاق، إذ أُعلن انسحاب المعهد الأسترالي للسياسات العامة من الرعاية، واستقال ثلاثة أعضاء في مجلس الإدارة بمن فيهم الرئيسة بسبب الخلاف الحاد. كما أزال المهرجان -مؤقتاً- قائمة المشاركين من موقعه الإلكتروني في محاولة لاحتواء الأزمة، وتم إرسال رسالة مفتوحة من 11 من قادة المهرجان السابقين يطالبون بإعادة الدعوة، معتبرين القرار «انتهاكاً صارخاً لحرية التعبير» ومبادئ المهرجان الأساسية.
كما أعلن نحو 90 كاتباً وروائياً ومفكراً مقاطعتهم المهرجان الأسترالي، من بينهم أسماء عالمية مرموقة مثل زادي سميث، وأستراليون بارزون مثل هيلين غارنر، ميشيل دي كريتشير، ميليسا لوكاشينكو، وآخرين، مما يضع المهرجان في موقف حرج للغاية ويهدد مكانته كحدث ثقافي رائد.
تداعيات أوسع على حرية التعبير والمشهد الثقافي
تتجاوز تداعيات هذه المقاطعة حدود مهرجان أديلايد، لتطرح تساؤلات أعمق حول حرية التعبير في المؤسسات الثقافية، ودور الفن والأدب في تناول القضايا السياسية الحساسة. على الصعيد المحلي، يواجه المهرجان الآن أزمة ثقة حادة قد تؤثر على مستقبله، وتثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط الأدبية الأسترالية حول معايير الشمولية والتنوع. قد يؤدي هذا الحدث إلى إعادة تقييم شاملة لسياسات المهرجانات الثقافية في أستراليا، وكيفية تعاملها مع الأصوات التي قد تكون مثيرة للجدل، خاصة تلك التي تتناول قضايا حقوق الإنسان والصراعات الدولية.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يمكن أن يشكل هذا الحادث سابقة خطيرة، حيث قد تشعر المؤسسات الثقافية الأخرى بالضغط لفرض قيود على الفنانين بناءً على آرائهم السياسية، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي تظل نقطة حساسة عالمياً. هذا يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول ‘ثقافة الإلغاء’ (cancel culture) وتأثيرها على الفضاءات الإبداعية، ومدى قدرة الفن على أن يكون مرآة للمجتمع دون قيود. كما يسلط الضوء على التحديات التي يواجهها الكتاب والفنانون من خلفيات مهمشة عند محاولتهم التعبير عن قضايا مجتمعاتهم، وكيف يمكن أن تُفسر مواقفهم بشكل خاطئ أو تُستخدم ضدهم في سياقات سياسية معقدة. إن هذه الأزمة تؤكد على أهمية الحوار المفتوح وضرورة حماية حرية التعبير كركيزة أساسية للثقافة والفكر في المجتمعات الديمقراطية.


