في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، حسم وزير الدفاع الإستوني، هانو بيفكور، الجدل الدائر حول مستقبل حلف الناتو، مؤكداً أن التحالف العسكري الغربي لن ينهار. وشدد بيفكور على أن بلاده لا يساورها أدنى شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ستقف إلى جانب حلفائها وستساعد في الدفاع عن إستونيا في حال شنت روسيا هجوماً عليها. وفي الوقت ذاته، أطلق تحذيراً صريحاً من أن القارة الأوروبية ليست مستعدة في الوقت الراهن لمواجهة موسكو بمفردها، مما يستدعي تعزيز التعاون المشترك.
التحديات الراهنة وتأثيرها على مستقبل حلف الناتو
تأسس حلف شمال الأطلسي في عام 1949 بهدف توفير مظلة أمنية جماعية ضد التهديدات السوفيتية آنذاك، واستمر في التوسع والتطور ليتكيف مع متغيرات العصر. وفي مقابلة مع وكالة «رويترز» خلال زيارته للعاصمة الليتوانية فيلنيوس، جدد بيفكور ثقته التامة في واشنطن وجميع الحلفاء. ومع ذلك، فإن مستقبل حلف الناتو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى التزام الدول الأعضاء بالإنفاق العسكري. وأشار الوزير إلى أن معظم أعضاء الحلف لا يلتزمون بالاتفاق الذي توصل إليه قادة الدول بزيادة الإنفاق الدفاعي، خاصة في ظل مطالبات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب برفع هذه النسبة إلى ما لا يقل عن 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعد إستونيا نموذجاً يحتذى به في هذا الصدد، حيث من المقرر أن تنفق 5.1% من ناتجها المحلي الإجمالي هذا العام، وهو من بين أعلى المعدلات داخل الحلف.
الاعتماد الاستراتيجي المتبادل بين واشنطن وأوروبا
لفت وزير الدفاع الإستوني الانتباه إلى حقيقة استراتيجية هامة، وهي أن الولايات المتحدة تحتاج إلى أوروبا من أجل دعم قدراتها العسكرية والجيوسياسية بقدر ما تحتاج أوروبا إلى الحماية الأمريكية. وتساءل بيفكور عما إذا كانت الدول الأوروبية قد وصلت إلى المستوى المطلوب من الجاهزية العسكرية، ليجيب بالنفي القاطع، مشدداً على ضرورة أن يستثمر جميع أعضاء الحلف بشكل أكبر في قطاع الدفاع لضمان الردع الفعال وحماية الأمن القومي لدول القارة.
تداعيات الصراعات الإقليمية وتفعيل المادة الخامسة
على الصعيد الإقليمي والدولي، اعتبر بيفكور أنه يتعين على حلف الناتو التركيز على المساعدة في إنهاء الصراع الدائر في إيران، موضحاً أن تحقيق الاستقرار هناك قد يتيح للولايات المتحدة توجيه تركيزها ومواردها مرة أخرى نحو دعم أوكرانيا. وقد تعمق الخلاف عبر الأطلسي خلال ولاية ترمب الثانية بعد أن رفض الحلفاء الأوروبيون طلبه للمساعدة في تأمين ممر آمن لحركة نقل النفط عبر مضيق هرمز. وفي هذا السياق، أثار طلب ترمب من الناتو المشاركة في حربه ضد إيران تساؤلات قانونية واستراتيجية بشأن المادة (5) من ميثاق الحلف، والتي تنص على أن «الهجوم على أحد الأعضاء هو هجوم على الجميع».
تاريخياً، لم يتم تفعيل هذه المادة المحورية سوى مرة واحدة فقط عقب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على الولايات المتحدة، مما أسفر عن مشاركة واسعة للحلفاء في حرب أفغانستان، حيث لقي أكثر من 1100 جندي من خارج الولايات المتحدة مصرعهم، بينهم 457 جندياً بريطانياً. وأوضح الخبراء أن هذه المادة تنطبق حصرياً في حال تعرض أحد أعضاء الناتو لهجوم مباشر، وبالتالي فهي لا تنطبق على الصراع في إيران الذي بدأ بضربات جوية مشتركة أمريكية-إسرائيلية في 28 فبراير الماضي. إن تصريحات بيفكور تكتسب أهمية بالغة لدول البلطيق التي تمثل الجناح الشرقي للحلف، حيث تسعى لتعزيز الطمأنينة المحلية وتوجيه رسالة ردع واضحة لأي تهديدات خارجية في ظل نظام عالمي متسارع التغير.


