في خطوة استراتيجية تعكس التزامها المتزايد بالسلامة الرقمية وحماية الفئات العمرية الأصغر، يستعد تطبيق المراسلة الأشهر عالمياً، واتساب، لإطلاق ميزة رائدة تستهدف القاصرين. تتيح هذه الميزة الجديدة للآباء والأوصياء الإشراف الفعال والذكي على استخدام أبنائهم للتطبيق، مع الحفاظ على خصوصية المحادثات. يأتي هذا التطور في سياق عالمي يشهد تزايداً في المخاوف بشأن تعرض الأطفال للمخاطر عبر الإنترنت، ويمثل تحولاً مهماً في طريقة تفاعل الأجيال الشابة مع منصات التواصل الرقمي، ساعياً لإيجاد توازن دقيق بين الأمان والحرية في الفضاء الافتراضي.
خلفية وتطور الاهتمام بسلامة الأطفال الرقمية
لم يعد استخدام الأطفال والمراهقين للإنترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي أمراً ثانوياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية. ومع هذا الانتشار، تصاعدت الأصوات المطالبة بضرورة توفير بيئات رقمية آمنة تحميهم من المحتوى غير المناسب، التنمر الإلكتروني، والاتصال بأشخاص غرباء. على مدار السنوات الماضية، شهدنا جهوداً متفرقة من شركات التكنولوجيا الكبرى لمعالجة هذه القضية، حيث أطلقت منصات مثل إنستغرام وتيك توك ويوتيوب كيدز أدوات رقابية متنوعة. ومع ذلك، ظل واتساب، الذي يستخدمه الملايين حول العالم، يفتقر إلى حلول متكاملة ومخصصة للقاصرين، مما جعله عرضة للانتقادات ومحط تساؤلات حول مدى ملاءمته للفئات العمرية الصغيرة. هذه الميزة الجديدة تأتي لتسد هذه الفجوة، وتضع واتساب في مصاف التطبيقات التي تولي اهتماماً خاصاً لسلامة مستخدميها الصغار.
آلية عمل ميزة الإشراف الأبوي في واتساب
لا تزال هذه الميزة في مرحلة التطوير، وقد ظهرت لأول مرة ضمن تحديث تجريبي (بيتا) على نظام أندرويد. تعتمد الميزة، المعروفة باسم “التحكمات الرئيسية للأهل” (Parental Controls)، على ربط حساب ثانوي خاص بالقاصر بحساب الوالد أو الوصي. هذا الربط يفرض قيوداً افتراضية مصممة خصيصاً لتوفير بيئة آمنة للأطفال. وتشمل هذه القيود الأساسية:
- حصر الاتصال: السماح بإرسال الرسائل واستقبال المكالمات من جهات الاتصال المسجلة فقط، لمنع التفاعل مع أرقام أو حسابات غير معروفة.
- إعدادات خصوصية مشددة: تفعيل إعدادات خصوصية تلقائية ومشددة لضمان حماية بيانات القاصرين وتحديد من يمكنه رؤية معلوماتهم الشخصية.
تهدف هذه الإجراءات إلى توفير درع حماية للأطفال، مع منح الآباء القدرة على تعديل هذه الإعدادات بما يتناسب مع احتياجات أبنائهم ومستوى نضجهم.
إشراف ذكي يحترم الخصوصية
من أبرز ما يميز هذه الميزة هو التزام واتساب بالحفاظ على خصوصية المستخدمين الصغار. سيتمكن الآباء من مراجعة وتعديل إعدادات الخصوصية للحسابات الثانوية، بالإضافة إلى الاطلاع على معلومات عامة ومحدودة حول النشاط، مثل إعدادات الاتصال والتفاعل. ومع ذلك، أكدت التقارير أن “التشفير الشامل من طرف إلى طرف” (End-to-End Encryption) سيظل فعالاً بشكل كامل. هذا يعني أن محتوى الرسائل والمكالمات سيبقى خاصاً وغير مرئي حتى للوالدين، مما يضمن احترام خصوصية الأطفال ويجنب الشعور بالمراقبة الدائمة، وهو جانب حيوي لبناء الثقة بين الأبناء وذويهم. هذا التوازن بين الإشراف والخصوصية هو ما يميز نهج واتساب الجديد.
الأهمية والتأثير المتوقع
تعتبر هذه الخطوة حلاً طال انتظاره لفجوة رقابية كبيرة في واتساب، حيث كان التطبيق يفتقر سابقاً إلى آليات واضحة لتحديد من يمكنه التواصل مع المستخدمين، مما شكل تحدياً كبيراً عند استخدامه من قبل القاصرين.
- على المستوى الأسري: ستوفر الميزة راحة بال كبيرة للآباء، وتقلل من القلق المرتبط بالاستخدام الرقمي لأبنائهم، مما يعزز الثقة داخل الأسرة.
- على مستوى الصناعة: من المتوقع أن يضع هذا التطور معياراً جديداً لتطبيقات المراسلة، ويدفع الشركات الأخرى إلى مراجعة وتطوير سياساتها وأدواتها لحماية القاصرين.
- على المستوى المجتمعي: تساهم هذه المبادرة في تعزيز الوعي بأهمية السلامة الرقمية وتشجع على حوار مفتوح بين الأهل والأبناء حول الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
- لشركة ميتا (Meta): تعزز هذه الخطوة صورة “ميتا” كشركة مسؤولة اجتماعياً، وتساعدها على تلبية المتطلبات التنظيمية المتزايدة حول العالم فيما يتعلق بحماية الأطفال عبر الإنترنت.
التوفر والتطلعات المستقبلية
ظهرت الميزة في النسخة التجريبية من واتساب لنظام أندرويد رقم 2.26.1.30، ضمن سلسلة تحديثات “بيتا” التي تستعرض الخصائص القادمة. ورغم أن الشركة لم تؤكد بعد موعد الإطلاق الرسمي، إلا أن مراقبين يرون أن هذه الخطوة تعكس توجه “ميتا” نحو تقديم حلول متوازنة تجمع بين الأمان الرقمي والخصوصية، خصوصاً مع تنامي المخاوف المرتبطة باستخدام الأطفال للتطبيقات الاجتماعية. لقد أثارت الميزة اهتماماً واسعاً بين أولياء الأمور والمستخدمين، في ظل الحاجة المتزايدة لأدوات رقابية مرنة. ومع ذلك، شدد بعض الخبراء على ضرورة أن تكون هذه الأدوات واضحة وسهلة التحكم، حتى لا تتحول إلى قيود تحدّ من حرية التواصل المسموح بها للأطفال، مؤكدين على أهمية التعليم الرقمي كعنصر مكمل لأي أدوات تقنية.


