spot_img

ذات صلة

إيران تتهم أمريكا وإسرائيل بدعم “داعش” وسط احتجاجات

في تصعيد لخطابها ضد خصومها الإقليميين والدوليين، وجهت إيران اتهامات مباشرة للولايات المتحدة وإسرائيل بإرسال عناصر من تنظيم “داعش” الإرهابي لاستهداف المدنيين وقوات الأمن خلال موجة الاضطرابات الأخيرة التي تشهدها البلاد. جاء هذا الاتهام على لسان رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء عبدالرحيم موسوي، الذي حذر من أن قوات الأمن الإيرانية لن تسمح لأي إرهابي أو عميل بتحقيق أهدافه التخريبية، وذلك بحسب ما نقلت عنه هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.

تأتي هذه الاتهامات في سياق تاريخ طويل من التوتر والعداء بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. فالعلاقات بين طهران وواشنطن شهدت عقوداً من التوتر منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وتفاقمت بشكل خاص بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة. أما العلاقة مع إسرائيل، فتتسم بالعداء الصريح، حيث تتهم إسرائيل إيران بالسعي لامتلاك أسلحة نووية ودعم جماعات مسلحة تهدد أمنها، بينما تتهم إيران إسرائيل بالقيام بعمليات تخريبية واغتيالات داخل الأراضي الإيرانية.

تشهد إيران بشكل دوري موجات من الاحتجاجات الشعبية، التي غالباً ما تنطلق من دوافع اقتصادية لتتطور إلى مطالب سياسية واجتماعية. ففي السنوات الأخيرة، شهدت البلاد احتجاجات واسعة النطاق في عامي 2017-2018 بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، وفي عام 2019 احتجاجاً على رفع أسعار الوقود، والتي قوبلت بقمع شديد. هذه الخلفية التاريخية للاحتجاجات الداخلية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية المستمرة، توفر سياقاً مهماً لفهم الديناميكيات الحالية.

الموجة الأخيرة من الاحتجاجات بدأت في 28 ديسمبر، عندما أضرب تجار في العاصمة طهران احتجاجاً على تدهور سعر صرف العملة المحلية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وهي قضايا تفاقمت بفعل العقوبات الاقتصادية وسوء الإدارة الداخلية. سرعان ما توسعت هذه الاحتجاجات لتشمل مدناً أخرى، وشهدت أعمال عنف، بما في ذلك إضرام النار في مركبة لقوات الأمن في مدينة مُشكان بمحافظة فارس جنوبي البلاد، مما يشير إلى تصاعد حدة التوتر.

في المقابل، قابلت السلطات الإيرانية هذه المظاهرات الاحتجاجية الحاشدة بدعوة إلى مظاهرات مضادة لدعم النظام. وقد شارك الآلاف في تجمعات مؤيدة للحكومة في ساحة رئيسية بطهران، حداداً على عناصر قوات الأمن الذين قتلوا في الاحتجاجات، وذلك بحسب ما أفاد التلفزيون الرسمي. هذا التكتيك يهدف إلى إظهار الدعم الشعبي للنظام ومواجهة الرواية التي تصور الاحتجاجات على أنها تمثل إجماعاً وطنياً.

على الصعيد الدولي، أثارت التطورات في إيران قلقاً واسعاً. فقد دعت واشنطن حاملي الجنسية المزدوجة الأمريكية والإيرانية لمغادرة إيران، ووجهت الخارجية رعاياها لمغادرة البلاد عبر أرمينيا أو تركيا، مما يعكس مستوى التوتر والتحذير من تدهور الأوضاع الأمنية. وفي سياق متصل، زعمت منظمة “حقوق الإنسان في إيران” (إيران هيومان رايتس) ومقرها في النرويج، أن حصيلة القتلى من المتظاهرين ارتفعت إلى 648 على الأقل، محذّرة من أنها مرشحة للارتفاع وقد تكون قد بلغت بضعة آلاف، وهي أرقام تثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.

إن اتهامات إيران لأمريكا وإسرائيل بدعم “داعش” في الاضطرابات الداخلية تعكس استراتيجية طهران في ربط أي تحديات داخلية بمؤامرات خارجية، وهي رواية تهدف إلى نزع الشرعية عن المحتجين وتبرير الإجراءات الأمنية الصارمة. هذه الاتهامات، وإن كانت تفتقر إلى أدلة علنية، تزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي في المنطقة، وتلقي بظلالها على أي جهود محتملة لتهدئة التوترات الإقليمية أو استئناف المفاوضات حول الملف النووي.

تداعيات هذه الأحداث قد تكون عميقة، ليس فقط على استقرار إيران الداخلي، بل أيضاً على التوازنات الإقليمية والدولية. فاستمرار الاضطرابات الداخلية قد يؤثر على قدرة إيران على إدارة ملفاتها الخارجية، بينما قد تؤدي الاتهامات المتبادلة إلى تصعيد جديد في الحرب الباردة بين طهران وخصومها. يبقى الوضع في إيران محط أنظار العالم، مع ترقب لتطورات قد تحدد مسار المنطقة في الفترة القادمة.

spot_imgspot_img