أعلنت الآلية الخماسية الدولية المعنية بمعالجة الأزمة السودانية عن إطلاق تحركات دبلوماسية مكثفة تهدف إلى إنهاء حرب السودان وصياغة مسار سياسي شامل يقوده السودانيون بأنفسهم. وجاء ذلك في بيان رسمي عقب مشاورات مكثفة استضافتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بمشاركة واسعة من القوى المدنية والسياسية السودانية، لبحث سبل وقف الاقتتال المستمر وصياغة مستقبل مستقر للبلاد.
مساعٍ دولية وإقليمية حثيثة لـ إنهاء حرب السودان
أوضحت الآلية الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، أن المشاورات التي جرت في أديس أبابا مؤخراً تمثل استكمالاً لمخرجات مؤتمر برلين الذي عُقد في أبريل الماضي. وركزت النقاشات على السبل العملية لتشكيل لجنة تحضيرية تمهد لإطلاق حوار سياسي سوداني-سوداني شامل يضع حداً للنزاع المسلح.
وعلى الرغم من تعقيد المشاورات، وصفتها الآلية بأنها كانت “صعبة ولكنها مثمرة”، حيث شهدت تعاوناً ملموساً بين ممثلي مختلف الأطياف السودانية لصياغة مسودات نصوص ومقترحات مكتوبة. وأعربت المجموعة الدولية عن ثقتها في أن الأساس اللازم لإطلاق مناقشات أوسع وأكثر شمولاً قد بدأ يتشكل بالفعل، مما يفتح الباب أمام عملية سياسية ذات مصداقية قادرة على معالجة جذور الأزمة.
جذور الصراع السوداني: من التطلعات الديمقراطية إلى المواجهة المسلحة
يعود السياق العام للأزمة السودانية الحالية إلى فترات طويلة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، والتي بلغت ذروتها بعد الإطاحة بالنظام السابق في عام 2019. ورغم الآمال الكبيرة التي صاحبت المرحلة الانتقالية نحو الحكم المدني الديمقراطي، إلا أن الخلافات العميقة حول إصلاح القطاع الأمني ودمج القوات العسكرية أدت إلى انفجار الأوضاع في منتصف أبريل 2023.
اندلعت المواجهات المسلحة العنيفة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لتتحول سريعاً من صراع على السلطة في العاصمة الخرطوم إلى حرب واسعة النطاق امتدت إلى دارفور وكردفان والعديد من الولايات الأخرى. هذا التحول الدراماتيكي جعل من الصعب التوصل إلى حل داخلي دون وساطة دولية قوية تضمن التزام الأطراف بوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات.
خطوط حمراء ضد التقسيم وتأثيرات الأزمة على الاستقرار الإقليمي
شددت الآلية الخماسية في بيانها على ضرورة الاحترام الكامل لسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، معلنة رسمياً رفضها القاطع لأي محاولات لتقويض هذه المبادئ. ورسمت الآلية خطوطاً حمراء واضحة ضد إنشاء أو فرض هياكل حكم موازية قد تؤدي إلى تفتيت الدولة السودانية وتعميق الانقسام الجغرافي والسياسي.
وتتجاوز أهمية هذه التحركات الشأن المحلي السوداني لتلقي بظلالها على الصعيدين الإقليمي والدولي. فالسودان يمثل حلقة وصل استراتيجية بين القرن الأفريقي والوطن العربي ومنطقة الساحل، فضلاً عن إطلالته الحيوية على البحر الأحمر. إن استمرار الحرب يهدد بتدفق المزيد من اللاجئين إلى دول الجوار التي تعاني أساساً من أزمات اقتصادية، كما يفتح الباب أمام تنامي نشاط الجماعات المتطرفة والتهريب العابر للحدود.
إنسانيا، تصنف الأمم المتحدة الأزمة السودانية الحالية كواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، حيث تسببت في نزوح ولجوء ملايين المواطنين، وحرمان قطاعات واسعة من الغذاء والرعاية الصحية. ومن هنا، تأتي دعوة الآلية الخماسية للأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة لتوحيد الجهود ودعم خفض التصعيد، باعتباره السبيل الوحيد لإنقاذ السودان من الانهيار الشامل وإعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة بأسرها.


