شهدت الساحة التركية مؤخراً تطورات قضائية متسارعة أثارت جدلاً واسعاً، حيث فتحت السلطات تحقيقاً رسمياً في مصير أموال ضخمة جُمعت ضمن حملة تبرعات زلزال تركيا لمساعدة المتضررين. وتوسعت دائرة التحقيقات لتشمل استدعاء أسماء بارزة من الوسط الفني والإعلامي التركي للإدلاء بإفاداتهم بشأن شبهات اختلاس وإساءة إدارة هذه الأموال التي كانت مخصصة لإغاثة المنكوبين وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
تفاصيل استدعاء المشاهير وشبهات حول تبرعات زلزال تركيا
استدعت النيابة العامة التركية عدداً من المشاهير البارزين للاستماع إلى أقوالهم في القضية المرتبطة بجمعية ‘أحباب’ الخيرية، التي أسسها مغني الروك الشهير هالوك ليفينت المتهم الرئيسي في القضية المتعلقة بإدارة أموال التبرعات. وشملت قائمة المستدعين أسماء لامعة مثل المغني والمخرج محسون كرمزي أوغلو، والممثلة إلتشين سانجو المعروفة بدورها الشهير في مسلسل ‘حب للإيجار’، والمغنية غولبن إرغين، ومغني الروك هايكو جيبكين، بالإضافة إلى الصحفي المخضرم أوغور دوندار.
وتأتي هذه الاستدعاءات في وقت يقبع فيه مؤسس الجمعية، هالوك ليفينت، في السجن منذ نحو أسبوعين على خلفية التحقيقات الجارية. وقد أثارت هذه التطورات صدمة كبيرة في الشارع التركي، لا سيما وأن هؤلاء المشاهير كانوا الواجهة الإعلانية والإنسانية لحملات جمع التبرعات التي حظيت بتعاطف شعبي جارف عقب الكارثة.
خلفية الكارثة الإنسانية وحجم الدعم المرصود
تعود جذور هذه القضية إلى أعقاب الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا في فبراير عام 2023، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 55 ألف شخص وتشريد الملايين في واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في التاريخ الحديث للمنطقة. وفي ظل تلك الظروف العصيبة، انطلقت مبادرات أهلية وحكومية واسعة النطاق لتقديم الإغاثة العاجلة وبناء مساكن بديلة للمتضررين.
ونجحت جمعية ‘أحباب’ بفضل شعبية ليفينت ودعم المشاهير في جمع تبرعات مالية ضخمة بلغت نحو 158 مليون دولار، كان الهدف المعلن منها بناء وحدات سكنية ومنازل مسبقة الصنع للمتضررين الذين فقدوا مأواهم. هذا النشاط الإنساني الاستثنائي دفع بمجلة ‘تايم’ الأمريكية في ذلك الوقت إلى اختيار هالوك ليفينت ضمن قائمتها لأكثر 100 شخصية تأثيراً في العالم لعام 2023.
تأثير القضية على الثقة في العمل الإنساني محلياً ودولياً
مع تأخر تنفيذ مشاريع الإسكان الموعودة، بدأت التساؤلات والشكوك تثار من قبل بعض المتضررين حول مصير تلك الأموال الطائلة. وبناءً على ذلك، فتحت النيابة العامة في إسطنبول تحقيقاً شاملاً ركز على اتهامات تتعلق بانتهاك قوانين الجمعيات، وغسيل الأموال، وتحويل أموال التبرعات إلى حسابات شخصية واستخدامها في أنشطة غير مشروعة.
إن تداعيات هذه القضية تتجاوز الحدود المحلية لتركيا؛ فهي تمس بشكل مباشر مصداقية العمل الخيري ومؤسسات المجتمع المدني على المستوى الإقليمي والدولي. فبعد أن كانت تركيا نموذجاً للتضامن الاجتماعي السريع، قد تؤدي هذه الفضيحة إلى تراجع ثقة المانحين الدوليين والجهات الإغاثية في كفاءة ونزاهة الجمعيات غير الحكومية التركية، مما قد يؤثر سلباً على تدفق المساعدات في أي أزمات مستقبلية. وقد عبر عدد من الفنانين والإعلاميين الذين دعموا الحملة سابقاً عن تراجعهم عن مساندة ليفينت، مؤكدين تعرضهم للتضليل.
الموقف القانوني ومستقبل جمعية ‘أحباب’
من جانبه، نفى هالوك ليفينت جميع الاتهامات الموجهة إليه، مؤكداً أن حسابات الجمعية خضعت لعمليات تدقيق مالي متعددة وصارمة. ومع ذلك، يواجه ليفينت متاعب قانونية أخرى منفصلة، حيث أدانته محكمة تركية بإصدار شيكات بدون رصيد بقيمة 70 مليون ليرة تركية، وفرضت عليه غرامة مالية مماثلة مع منعه من إصدار الشيكات أو فتح حسابات مصرفية جديدة.
وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أعلن ليفينت لاحقاً عن نيته الاستقالة من إدارة جمعية ‘أحباب’ والتفرغ لمسيرته الفنية، في حين تواصل السلطات القضائية تحقيقاتها وسط ترقب شعبي وإعلامي كبير لمعرفة المصير النهائي لأموال المتضررين.


