spot_img

ذات صلة

الجيش السوري يطالب قسد بالانسحاب شرق حلب | تصعيد جديد

تصعيد جديد في المشهد السوري المعقد: الجيش السوري يطالب القوات الكردية بالانسحاب من مناطق استراتيجية شرق حلب، في خطوة تعكس التوترات المتزايدة في شمال البلاد بعد استعادة الحكومة السيطرة الكاملة على المدينة.

في تطور لافت يعكس تعقيدات الصراع السوري المستمر، أصدر الجيش السوري بياناً حاسماً يطالب فيه القوات الكردية، ممثلة بقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بالانسحاب الفوري من المناطق التي تسيطر عليها شرق مدينة حلب، متجهة نحو الضفة الشرقية لنهر الفرات. هذا الطلب جاء بعد يومين فقط من إعلان القوات الحكومية السورية سيطرتها الكاملة على مدينة حلب، التي كانت مقسمة لسنوات وشهدت معارك ضارية قبل أن تستعيدها دمشق بالكامل في نهاية عام 2016. وقد أعلن الجيش السوري المنطقة الواقعة شرق حلب وصولاً إلى نهر الفرات “منطقة عسكرية مغلقة”، محذراً من أي تحركات عسكرية فيها.

خلفية الصراع في حلب وشمال سوريا

تعتبر مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية السابقة لسوريا، نقطة محورية في الصراع الدائر منذ عام 2011. استعادتها الكاملة من قبل القوات الحكومية شكلت تحولاً استراتيجياً كبيراً، معلنة نهاية مرحلة مهمة من الحرب. ومع ذلك، فإن السيطرة على حلب لم تنهِ التوترات في محيطها، بل كشفت عن طبقات جديدة من التعقيدات، خاصة مع تداخل مناطق نفوذ القوات الحكومية والقوات الكردية المدعومة دولياً. تاريخياً، شهدت حلب وشمال سوريا صراعات متعددة الأطراف، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ، مما يجعل أي تحرك عسكري ذا تداعيات واسعة. كما أن مطالبة الجيش بالانسحاب شرق الفرات تتقاطع مع أهداف عمليات سابقة مثل “درع الفرات” التركية التي سعت لمنع ربط الكانتونات الكردية غرب وشرق النهر.

اتهامات متبادلة وتصعيد ميداني

وفقاً لمصادر عسكرية سورية، فقد وصلت تعزيزات جديدة للجيش إلى دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي، وذلك في أعقاب رصد تحركات لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يُزعم أنها استقدمت مجاميع مسلحة وفلولاً من النظام السابق، بالإضافة إلى مقاتلين من حزب العمال الكردستاني (PKK). هيئة العمليات في الجيش السوري وصفت هذه التحركات بأنها “تصعيد خطير”، مؤكدة أن أي تحرك عسكري من جانب هذه المجاميع سيُقابل “برد عنيف”، وأن الجيش “لن يقف مكتوف الأيدي” تجاه هذا التصعيد.

في المقابل، نفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هذه المزاعم جملة وتفصيلاً، مؤكدة عدم وجود أية تحركات أو تحشيدات عسكرية لقواتها في محيط مسكنة ودير حافر. ووصفت قسد تصريحات الجيش السوري بأنها “مضللة” ولا أساس لها من الصحة، مشيرة إلى أن التحركات الميدانية القائمة تعود في الواقع إلى القوات الحكومية نفسها. هذا التضارب في الروايات يسلط الضوء على حالة عدم الثقة والتوتر الشديد بين الطرفين، ويزيد من احتمالات المواجهة المباشرة.

الأهمية الاستراتيجية لنهر الفرات وتأثيره الإقليمي

إن مطالبة الجيش السوري بالانسحاب شرق نهر الفرات تحمل دلالات استراتيجية عميقة. لطالما كان نهر الفرات خطاً فاصلاً غير رسمي لمناطق النفوذ في شمال سوريا، خاصة بعد عملية “درع الفرات” التركية التي هدفت إلى منع ربط الكانتونات الكردية شرق وغرب النهر. هذا الطلب يعكس رغبة دمشق في إعادة فرض سيادتها الكاملة على الأراضي السورية وتقليص نفوذ القوات الكردية التي تتمتع بدعم أمريكي، مما قد يؤثر على التوازنات الإقليمية ويشعل جبهات جديدة. كما أن هذه المنطقة غنية بالموارد الطبيعية وتعتبر شرياناً حيوياً للنقل والتجارة، مما يزيد من أهميتها الاستراتيجية لكافة الأطراف المتنازعة.

تداعيات إنسانية متفاقمة

في خضم هذه التوترات العسكرية، تتفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة. فقد أشار المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إلى نزوح نحو 119 ألف شخص منذ تجدد الأعمال العدائية في مدينة حلب. وتعمل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) وشركاؤها على الأرض لتقديم المساعدات الضرورية للعائلات النازحة في الملاجئ المؤقتة والمجتمعات المضيفة، بما في ذلك توزيع الأغطية والفرش والملابس الشتوية. هذه الأرقام تعكس الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون نتيجة استمرار الصراع وتصاعده، وتزيد من الضغط على المنظمات الإنسانية العاملة في ظروف صعبة للغاية.

يُذكر أن مدينة حلب، وخاصة أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد ذات الغالبية الكردية، شهدت اشتباكات عنيفة سابقة بين الجيش السوري وقسد، أدت إلى نزوح أكثر من 140 ألف شخص ومقتل نحو 23 آخرين. كما أفادت وكالة الأنباء السورية بصد الجيش لمحاولتي تسلل لقوات سوريا الديمقراطية بريف الرقة الشمالي، مما يؤكد اتساع رقعة الاشتباكات والتوترات بين الطرفين على جبهات متعددة.

المستقبل المحتمل وتأثيره الدولي

هذا التصعيد بين الجيش السوري وقسد يحمل في طياته مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة بأسرها. ففي ظل وجود قوى دولية وإقليمية متعددة الأطراف في سوريا، يمكن أن يؤدي أي تحرك عسكري غير محسوب إلى اشتباكات أوسع نطاقاً، قد تجر أطرافاً أخرى إلى الصراع. إن مستقبل مناطق شرق حلب وشمال سوريا بشكل عام سيعتمد بشكل كبير على كيفية إدارة هذه التوترات، وما إذا كانت هناك قنوات دبلوماسية فعالة لتجنب المواجهة المباشرة. يترقب المجتمع الدولي بقلق تطورات الأوضاع، في محاولة لتقييم تأثيرها على جهود السلام الهشة في سوريا، وعلى مستقبل الوجود العسكري للقوى الكبرى في المنطقة.

spot_imgspot_img