في تطور يعكس صراعاً محتدماً حول السياسة الخارجية الأمريكية وصلاحيات السلطة التنفيذية، كشف موقع «أكسيوس» عن مبادرة تشريعية قد تضع حداً لطموحات الرئيس السابق دونالد ترمب في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند. يأتي هذا التحرك من مجلس النواب الأمريكي ليؤكد على دور الكونغرس في الرقابة على القرارات الاستراتيجية التي تمس السيادة الدولية والعلاقات الدبلوماسية.
يتمثل جوهر هذه المبادرة في مشروع قانون يحمل اسم «حول حماية سيادة غرينلاند»، والذي صاغه النائب الديمقراطي جيمي غوميز من كاليفورنيا. يهدف مشروع القانون بشكل أساسي إلى منع استخدام أي أموال فيدرالية أمريكية في أنشطة قد تؤدي إلى «توغل أو ضم أو شراء أو أي طريقة أخرى نحو امتلاك الولايات المتحدة أو أي مسؤول أو جهاز تابع للحكومة الفيدرالية لغرينلاند». كما تسعى المبادرة إلى تقييد انتشار القوات الأمريكية في الجزيرة ومنع أي حملات تهدف إلى إقناع السكان المحليين بدعم استيلاء واشنطن على هذه الأراضي الدنماركية ذات الحكم الذاتي.
لم تكن فكرة ضم غرينلاند وليدة اللحظة؛ فقد سبق للرئيس السابق دونالد ترمب أن أكد مراراً خلال ولايته الرئاسية الأولى ضرورة أن تصبح غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة. في مارس الماضي، أعرب ترمب عن ثقته بأن بلاده ستضم الجزيرة، ملوحاً بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الدنمارك في حال رفضها التخلي عن غرينلاند. وقد قدم عضو الكونغرس الجمهوري راندي فاين بالفعل مشروع قانون يقترح ضم غرينلاند واعتبارها ولاية أمريكية، مما يعكس وجود تيار داخل الحزب الجمهوري يدعم هذه الفكرة.
على الجانب الآخر، قوبلت هذه المطالب برفض قاطع من قبل رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن، التي أكدت أن غرينلاند جزء لا يتجزأ من الدنمارك وليست للبيع. هذا الموقف الدنماركي يعكس التزاماً راسخاً بالسيادة الوطنية ورفضاً لأي محاولات لتغيير الوضع الجغرافي السياسي بالقوة أو الضغط الاقتصادي.
إن الاهتمام الأمريكي بغرينلاند ليس ظاهرة حديثة؛ ففي عام 1946، قدم الرئيس الأمريكي هاري ترومان عرضاً لشراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار، وهو العرض الذي قوبل بالرفض آنذاك. لطالما كانت غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، ذات أهمية استراتيجية قصوى، خاصة خلال الحرب الباردة، حيث استضافت قاعدة ثول الجوية الأمريكية، التي لعبت دوراً حيوياً في الدفاع عن القطب الشمالي ومراقبة الفضاء الجوي. هذا التاريخ يؤكد على أن الدافع وراء الاهتمام الأمريكي بالجزيرة يتجاوز مجرد الرغبة في التوسع، ليلامس أبعاداً جيوسياسية عميقة.
تكتسب غرينلاند أهمية متزايدة في المشهد الجيوسياسي العالمي المعاصر، نظراً لموقعها الاستراتيجي الفريد بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وثرواتها المعدنية الهائلة غير المستغلة، والتي تشمل المعادن الأرضية النادرة واليورانيوم والزنك والرصاص والذهب. علاوة على ذلك، ومع تسارع وتيرة ذوبان الجليد في القطب الشمالي نتيجة لتغير المناخ، تبرز ممرات ملاحية جديدة محتملة، مثل الممر الشمالي الغربي، مما يعزز من الأهمية الاقتصادية والعسكرية للمنطقة. تحولت منطقة القطب الشمالي إلى ساحة تنافس جديدة بين القوى العظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، التي تسعى لتأمين موطئ قدم والسيطرة على الموارد والطرق التجارية المستقبلية.
لم يقتصر الجدل على الأطراف الأمريكية والدنماركية؛ فقد دخلت روسيا على خط الأزمة، حيث نقلت وكالة «إنترفاكس» للأنباء عن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف قوله إن سكان غرينلاند قد يصوتون للانضمام إلى روسيا إذا لم يتحرك الرئيس ترمب بسرعة لضم الجزيرة. ورغم أن هذه التصريحات قد تكون جزءاً من حرب التصريحات الجيوسياسية، إلا أنها تسلط الضوء على التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في القطب الشمالي. من جانبها، أعلنت حكومة غرينلاند بوضوح رفضها «بأي شكل» للسعي الأمريكي «للاستيلاء» على أراضيها، مؤكدة أنها «ستكثف جهودها» لضمان الدفاع عن هذه الأراضي في إطار حلف شمال الأطلسي، مما يؤكد على حقها في تقرير المصير والتمسك بوضعها الحالي.
إن مشروع القانون المطروح في الكونغرس الأمريكي لا يمثل مجرد إجراء تشريعي روتيني، بل هو تأكيد على مبدأ الفصل بين السلطات في الولايات المتحدة، ودور الهيئة التشريعية في كبح جماح أي طموحات تنفيذية قد تتعارض مع الأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي. كما أنه يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي حول احترام السيادة الوطنية للدول، ويؤكد على أن القضايا الجيوسياسية المعقدة تتطلب حلولاً دبلوماسية وتوافقاً دولياً، بدلاً من التهديدات أو محاولات الاستحواذ أحادية الجانب.


