spot_img

ذات صلة

مستقبل مارين لوبن السياسي: محاكمة الاستئناف وتأثيرها على 2027

تترقب الأوساط السياسية الفرنسية والأوروبية عن كثب مجريات محاكمة الاستئناف التي بدأت في باريس، اليوم (الثلاثاء)، والتي ستحدد بشكل حاسم مستقبل زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، مارين لوبن، وحزبها «التجمع الوطني»، بالإضافة إلى 11 متهماً آخرين. هذه المحاكمة القضائية تحمل في طياتها مفتاح أهليتها للترشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، مما يجعلها حدثاً محورياً في المشهد السياسي الفرنسي.

تأتي هذه المحاكمة في سياق تاريخي طويل من التحديات القانونية التي واجهت حزب الجبهة الوطنية سابقاً، والتجمع الوطني حالياً، والذي أسسه والد مارين لوبن، جان ماري لوبن. لطالما كانت مارين لوبن شخصية محورية في السياسة الفرنسية، حيث خاضت السباق الرئاسي ثلاث مرات (في 2012 و2017 و2022)، ووصلت إلى الجولة الثانية في آخر دورتين، مما يؤكد حضورها القوي وتأثيرها على الناخبين. هذه القضية ليست مجرد نزاع قانوني، بل هي انعكاس للصراع المستمر حول النزاهة السياسية واستخدام الأموال العامة في أوروبا.

اتهامات باختلاس أموال عامة وتداعياتها

تتمحور القضية حول اتهامات باختلاس أموال عامة، حيث دينت لوبن في مارس الماضي في محكمة البداية بتهمة إقامة “منظومة” بين عامي 2004 و2016. هذه المنظومة، بحسب الادعاء العام والبرلمان الأوروبي (الذي يعتبر طرفاً مدنياً في القضية)، كانت تهدف إلى تحويل أموال خصصها البرلمان الأوروبي لأعضائه لدفع رواتب مساعديهم في مهامهم الأوروبية، لتوظيفهم فعلياً لصالح حزب “الجبهة الوطنية” (التجمع الوطني حالياً) أو قادته. وقد حكم عليها بالسجن أربع سنوات، منها سنتان مع وقف التنفيذ وسنتان رهن الإقامة الجبرية بسوار إلكتروني، وغرامة قدرها 100 ألف يورو، بالإضافة إلى منعها من تولي أي منصب عام لمدة خمس سنوات. هذا الحكم، الذي يسري فوراً، يمنعها من الترشح لأي منصب انتخابي، بما في ذلك رئاسة الجمهورية، أو إعادة انتخابها لعضوية البرلمان في حال حل الجمعية الوطنية.

أهمية محكمة الاستئناف لمستقبل لوبن

لتمهيد الطريق أمامها لخوض الانتخابات الرئاسية لعام 2027، تحتاج زعيمة نواب «التجمع الوطني» إلى الحصول على تبرئة كاملة أو تخفيف كبير لعقوبة عدم الأهلية. وقد بدأ احتساب هذه العقوبة بالفعل نظراً للتنفيذ المؤقت للحكم، بانتظار صدور القرار النهائي عن محكمة الاستئناف هذا الصيف. المحاكمة، التي من المقرر أن تستمر نظرياً حتى 11 فبراير في المحكمة الواقعة في قلب العاصمة، ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت لوبن ستتمكن من مواصلة طموحاتها الرئاسية أم لا. وقد أكدت لوبن، أمس (الاثنين)، أملها في “إقناع القضاة ببراءتي”، مشددة على أن “خط دفاعي الوحيد هو قول الحقيقة” و”آمل أن يُسمَع صوتي بشكل أفضل”.

تأثير القضية على المشهد السياسي الفرنسي والأوروبي

تتجاوز تداعيات هذه المحاكمة مستقبل مارين لوبن الشخصي لتشمل المشهد السياسي الفرنسي برمته. فإذا تأكدت عقوبة عدم الأهلية، فإن ذلك سيفتح الباب أمام صعود شخصيات جديدة داخل اليمين المتطرف، أبرزها جوردان بارديلا، الرئيس الحالي لحزب «التجمع الوطني». وقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تراجعاً في شعبية مارين لوبن بعد 9 أشهر من إدانتها، حيث باتت فكرة استبدالها ببارديلا كمرشح رئاسي تكتسب زخماً متصاعداً. ففي استطلاع لمؤسسة «فيريان» لصالح صحيفة «لوموند» ومجلة «ليميسيكيل»، يعتقد 49% من الفرنسيين أن بارديلا هو الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات الرئاسية، مقارنةً بـ16% لمارين لوبن. كما يرى 30% من المشاركين أن بارديلا سيكون “رئيساً أفضل للجمهورية” مقارنةً بلوبن.

على الصعيد الأوروبي، تسلط هذه القضية الضوء على أهمية الشفافية والمساءلة في استخدام الأموال المخصصة لأعضاء البرلمان الأوروبي. فالاتهامات الموجهة للوبن وحزبها ليست فريدة من نوعها، بل تندرج ضمن سلسلة من القضايا المماثلة التي واجهها سياسيون أوروبيون آخرون، مما يؤكد الحاجة إلى رقابة صارمة على الإنفاق العام. إن قرار محكمة الاستئناف لن يؤثر فقط على مستقبل أحد أبرز الوجوه السياسية في فرنسا، بل سيبعث برسالة قوية حول معايير النزاهة المطلوبة من القادة السياسيين في الاتحاد الأوروبي.

وفي الختام، تبقى الأنظار متجهة نحو محكمة الاستئناف في باريس، حيث سيحدد قرارها، المتوقع هذا الصيف، ليس فقط مصير مارين لوبن السياسي، بل قد يعيد تشكيل خريطة القوى داخل اليمين المتطرف الفرنسي، ويؤثر على مسار الانتخابات الرئاسية لعام 2027، وربما يترك بصمته على النقاش الأوسع حول أخلاقيات العمل السياسي في أوروبا.

spot_imgspot_img