أعلنت الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية عن تسجيل الرقم القياسي لأسعار الجملة ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 3.1% على أساس سنوي خلال شهر ديسمبر 2025م، وذلك مقارنة بالشهر نفسه من عام 2024م. يأتي هذا الارتفاع ليثير تساؤلات حول مسار التضخم وتكاليف الإنتاج في الاقتصاد السعودي، ويقدم لمحة مبكرة عن التغيرات المحتملة في الأسواق المحلية.
فهم مؤشر أسعار الجملة وأهميته الاقتصادية
يُعد الرقم القياسي لأسعار الجملة (WPI) مؤشراً اقتصادياً حيوياً يعكس التغيرات في أسعار السلع والخدمات في مرحلة ما قبل البيع بالتجزئة، أي الأسعار التي يدفعها تجار الجملة أو المنتجون. يعتبر هذا المؤشر بمثابة نبض مبكر للضغوط التضخمية المحتملة في الاقتصاد، حيث أن ارتفاع أسعار الجملة غالباً ما يمهد الطريق لزيادة في أسعار التجزئة التي يدفعها المستهلكون في نهاية المطاف. مراقبة هذا المؤشر تساعد صانعي القرار والشركات على فهم اتجاهات التكلفة والتخطيط للمستقبل.
السياق الاقتصادي لرؤية السعودية 2030
في سياق التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030 الطموحة، تكتسب مؤشرات الأسعار أهمية مضاعفة. تهدف الرؤية إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، مما يجعل مراقبة أداء القطاعات غير النفطية، مثل الزراعة والصناعة التحويلية، أمراً بالغ الأهمية. تعكس هذه الأرقام مدى فعالية السياسات الاقتصادية وقدرة القطاعات المختلفة على التكيف مع المتغيرات المحلية والعالمية، وتوفر بيانات حيوية لتقييم التقدم نحو الأهداف الاقتصادية طويلة المدى.
تفاصيل الارتفاع: القطاعات الأكثر تأثراً
أوضحت الهيئة أن هذا الارتفاع السنوي في أسعار الجملة يُعزى بشكل رئيس إلى زيادة أسعار السلع الأخرى القابلة للنقل فيما عدا المنتجات المعدنية والآلات والمعدات بنسبة 5.7%، إضافة إلى ارتفاع أسعار منتجات الزراعة وصيد الأسماك بنسبة 3.6%.
وبيّنت البيانات أن أسعار السلع الأخرى القابلة للنقل شهدت ارتفاعاً مدفوعة بزيادة أسعار المنتجات النفطية المكررة بنسبة 8.2%، وارتفاع أسعار المواد الكيميائية الأساسية بنسبة 7.8% خلال ديسمبر 2025م مقارنة بنظيرتها من العام السابق. كما سجلت أسعار منتجات الزراعة وصيد الأسماك ارتفاعاً نتيجة زيادة أسعار منتجات الزراعة بنسبة 5.0%، وارتفاع أسعار الحيوانات الحية والمنتجات الحيوانية بنسبة 1.2%.
وفي السياق ذاته، ارتفعت أسعار المنتجات المعدنية والآلات والمعدات بنسبة 1.1%، متأثرة بارتفاع أسعار الفلزات القاعدية بنسبة 5.4%، وأسعار المنتجات المعدنية المصنوعة بنسبة 3.4%. كما أفادت الإحصاءات بارتفاع أسعار المنتجات الغذائية والمشروبات والتبغ والمنسوجات بنسبة 0.2%، نتيجة زيادة أسعار منتجات طواحين الحبوب والنشاء والمنتجات الغذائية الأخرى بنسبة 0.7%، إضافة إلى ارتفاع أسعار الجلود والمنتجات الجلدية والأحذية بنسبة 1.2%.
في المقابل، شهدت أسعار الخامات والمعادن انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.1%، متأثرة بانخفاض أسعار الأحجار والرمل بالنسبة نفسها.
التحركات الشهرية ودلالاتها
على أساس شهري، سجل مؤشر أسعار الجملة ارتفاعاً بنسبة 1.0% خلال شهر ديسمبر 2025م مقارنة بشهر نوفمبر 2025م. ويعزى هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار السلع الأخرى القابلة للنقل بنسبة 1.8%، مدفوعة بارتفاع أسعار المواد الكيميائية الأساسية بنسبة 13.8%، وأسعار الأثاث والسلع الأخرى القابلة للنقل غير المصنفة في موضع آخر بنسبة 1.0%.
كما ارتفعت أسعار منتجات الزراعة وصيد الأسماك بنسبة 1.5% على أساس شهري، نتيجة زيادة أسعار منتجات الزراعة بنسبة 1.9%، وارتفاع أسعار الحيوانات الحية والمنتجات الحيوانية بنسبة 0.8%. وسجلت أسعار المنتجات المعدنية والآلات والمعدات ارتفاعاً شهرياً بنسبة 0.2%، مدفوعة بارتفاع أسعار الفلزات القاعدية بنسبة 1.0%، وأسعار الآلات والأجهزة الكهربائية بنسبة 0.6%.
في حين استقرت أسعار كل من الخامات والمعادن، والمنتجات الغذائية والمشروبات والتبغ والمنسوجات، ولم تسجل أي تغير نسبي يُذكر خلال شهر ديسمبر 2025م.
التأثيرات المتوقعة على الاقتصاد والمستهلك
إن ارتفاع أسعار الجملة بنسبة 3.1% على أساس سنوي يحمل دلالات متعددة. بالنسبة للشركات، يعني ذلك زيادة في تكاليف المدخلات، مما قد يؤثر على هوامش الربح ويدفعها إلى رفع أسعار منتجاتها النهائية. أما بالنسبة للمستهلكين، فعلى الرغم من أن مؤشر أسعار الجملة لا يعكس بشكل مباشر أسعار التجزئة، إلا أنه غالباً ما يكون مؤشراً مبكراً لارتفاع محتمل في تكلفة المعيشة. هذا الارتفاع قد يؤثر على القوة الشرائية ويدفع صانعي السياسات إلى دراسة التدابير اللازمة للحفاظ على استقرار الأسعار ودعم القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية.
منهجية الهيئة العامة للإحصاء
أشارت الهيئة إلى أن مؤشر أسعار الجملة يعكس تحركات أسعار السلع في مرحلة ما قبل البيع بالتجزئة لسلة ثابتة تضم 343 بنداً، يتم جمع أسعارها شهرياً من مدن الرياض وجدة والدمام، مع اعتماد عام 2014م كسنة أساس، ويتم نشر الإحصاءات بصفة شهرية وفق منهجية معتمدة تضمن الدقة والشفافية في البيانات الاقتصادية.


