أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، اليوم (الخميس)، أن أنقرة تتابع عن كثب التطورات في شمال سوريا، معربة عن أملها في التوصل إلى حل سلمي للخلافات القائمة. وفي تصريح لافت، أشار فيدان إلى أن لجوء الحكومة السورية إلى القوة ضد قوات سورية الديمقراطية «قسد» قد يكون خياراً مطروحاً في حال تعذر الحل السياسي. وشدد فيدان، خلال مؤتمر صحفي في إسطنبول، على أن تركيا تفضل معالجة المشكلات عبر الوسائل السلمية، لكنه حذر من أن فشل هذه الجهود قد يدفع دمشق إلى خيارات أخرى، من بينها العمل العسكري، مؤكداً أن بلاده حريصة على الاستقرار ومنع أي تصعيد يزيد تعقيد المشهد شمالي سورية.
تأتي هذه التصريحات في سياق إقليمي معقد، حيث تعتبر تركيا «قسد» امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف كمنظمة إرهابية لديها ولدى العديد من الدول الغربية. وقد نفذت تركيا عدة عمليات عسكرية سابقة في شمال سوريا، مثل «درع الفرات»، «غصن الزيتون»، و«نبع السلام»، بهدف تأمين حدودها وإنشاء مناطق آمنة ومكافحة ما تصفه بالتهديدات الإرهابية. وتتداخل المصالح في هذه المنطقة بشكل كبير، حيث تدعم الولايات المتحدة «قسد» في إطار مكافحة تنظيم داعش، بينما تدعم روسيا وإيران الحكومة السورية، مما يخلق شبكة معقدة من التحالفات والتوترات.
تصعيد عسكري سوري غرب الفرات
بالتزامن مع الموقف التركي، أعلن الجيش السوري اعتبار كامل المناطق الواقعة غرب نهر الفرات منطقة عسكرية حتى إشعار آخر، داعياً جميع المجموعات المسلحة المتواجدة فيها إلى الانسحاب الفوري نحو شرق الفرات. تعكس هذه الخطوة تصعيداً ميدانياً لافتاً شمالي البلاد، وتأتي في إطار استعدادات عسكرية موسعة. وقد دفع الجيش بتعزيزات كبيرة إلى محاور القتال، شملت آليات عسكرية وأعداداً من الجنود، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة، مما يشير إلى نية واضحة للتحرك العسكري.

تداعيات إنسانية وإغلاق طرق
في المقابل، أفاد مصدر لـ«تلفزيون سورية» بأن قوات سورية الديمقراطية (قسد) أغلقت الطرق المؤدية من وإلى مدينة دير حافر باستخدام كتل إسمنتية، لمنع عبور الأهالي، ما فاقم من معاناة المدنيين في المنطقة. هذه الإجراءات تزيد من الضغط على السكان المحليين وتعيق حركة المدنيين، مما يثير مخاوف بشأن الوضع الإنساني.
دعوات للخروج المنظم ومناشدات إغاثية
بالتوازي، دعت إدارة منطقة دير حافر في ريف حلب، أمس الأربعاء، الأهالي إلى الالتزام بالخروج المنظم عبر الممر الإنساني الذي حددته الجهات المختصة، وفي الأوقات المعلنة، حفاظاً على سلامتهم. وأكدت الإدارة، في بيان صادر عن مسؤول المنطقة عبدالوهاب عبداللطيف، أن هذا الإجراء مرحلي ومؤقت، مشددة على أن عودة الأهالي إلى منازلهم وأحيائهم ستكون فور انتهاء العمليات العسكرية، مع ضمان حفظ الأراضي والممتلكات، والتأكيد على أن سلامة المدنيين وكرامتهم أولوية لا نقاش فيها. ووجهت الإدارة نداءً إنسانياً إلى المنظمات الإنسانية والإغاثية للقيام بواجبها، وتأمين الدعم الفوري لسكان المنطقة، من غذاء ودواء ومستلزمات معيشية، للتخفيف من الأعباء التي يواجهها المدنيون خلال هذه المرحلة.
وكانت هيئة العمليات في الجيش السوري قد أعلنت، في وقت سابق الأربعاء، فتح ممر إنساني باتجاه مدينة حلب لأهالي المناطق الواقعة شرق المدينة، موضحة أن الممر سيكون عبر قرية حميمة على طريق M15، الرابط بين دير حافر وحلب. وشددت الهيئة على ضرورة ابتعاد المدنيين عن مواقع قوات «قسد» وميليشيات PKK المصنفة إرهابية، مؤكدة أن الجيش سيتخذ جميع الإجراءات اللازمة للقضاء على أي تهديد يمس أمن المنطقة وسلامة المواطنين.
تأثيرات محتملة على الاستقرار الإقليمي
إن التهديد التركي بالعمل العسكري، إلى جانب التصعيد الميداني من جانب الجيش السوري، ينذر بتداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، قد يؤدي ذلك إلى موجات نزوح جديدة وتفاقم الأزمة الإنسانية في مناطق تعاني أصلاً من سنوات الصراع. إقليمياً، يمكن أن يزيد من حدة التوترات بين القوى الفاعلة في سوريا، وقد يؤثر على جهود التسوية السياسية القائمة، مثل مسار أستانا. دولياً، قد يعقد المشهد الجهود الرامية لمكافحة الإرهاب ويضع تحديات جديدة أمام الاستقرار في الشرق الأوسط.
اشتباكات سابقة في حلب
يُذكر أن مدينة حلب شهدت، الأسبوع الماضي، اشتباكات بين الجيش السوري وقوات «قسد» في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، أسفرت عن نزوح آلاف السكان، قبل الإعلان لاحقاً عن وقف لإطلاق النار وخروج مقاتلي «قسد» نحو شمال شرق البلاد دون أسلحتهم. هذه الأحداث السابقة تسلط الضوء على هشاشة الوضع وإمكانية تجدد الصراع في أي لحظة، مما يجعل التصريحات الحالية والتحركات العسكرية ذات أهمية بالغة في تحديد مسار الأحداث القادمة في المنطقة.


