في خطوة تعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة القطب الشمالي، عزّزت الدنمارك وجودها العسكري في إقليم غرينلاند المتمتع بالحكم الذاتي، عبر نشر قوات إضافية في هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية القصوى. يأتي هذا التحرك في ظل ضغوط متزايدة وتصريحات مثيرة للجدل أدلى بها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، والتي سلطت الضوء على الأهمية العسكرية والأمنية للجزيرة.
أفادت هيئة الإذاعة الدنماركية المحلية TV 2 أن القوات المسلحة الدنماركية أكدت وصول دفعة جديدة من الجنود، وصفتها بأنها «مساهمة كبيرة»، إلى المطار الدولي الرئيسي في غرينلاند مساء الإثنين. وأوضح قائد القيادة القطبية الدنماركية، اللواء سورين أندرسن، أن نحو 100 جندي دنماركي وصلوا بالفعل إلى العاصمة نوك، مع خطط لنشر قوات إضافية لاحقاً في منطقة كانغيرلوسواك غرب غرينلاند.
خلفية تاريخية وأهمية غرينلاند الإستراتيجية
تتمتع غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، بموقع جغرافي فريد بين أمريكا الشمالية وأوروبا، مما يمنحها أهمية إستراتيجية وعسكرية لا تقدر بثمن. تاريخياً، كانت غرينلاند نقطة محورية في الدفاعات الغربية، خاصة خلال الحرب الباردة، حيث استضافت قاعدة ثول الجوية الأمريكية، وهي منشأة حيوية للإنذار المبكر وتتبع الصواريخ. لطالما كانت الولايات المتحدة مهتمة بالسيطرة على غرينلاند، حتى أنها حاولت شراءها من الدنمارك في مناسبات سابقة، أبرزها بعد الحرب العالمية الثانية وفي عهد ترمب نفسه. هذه الأهمية تتزايد اليوم مع ذوبان الجليد القطبي، الذي يفتح ممرات ملاحية جديدة ويجعل الوصول إلى الموارد الطبيعية الهائلة (مثل النفط والغاز والمعادن النادرة) أكثر سهولة، مما يؤجج التنافس بين القوى العالمية.
تصريحات ترمب وتأجيج التوترات
يأتي هذا التعزيز العسكري الدنماركي في أعقاب تصريحات حادة أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي اعتبر أن الدنمارك فشلت في تأمين الجزيرة ضد ما وصفه بالتهديدات الروسية والصينية المتزايدة في القطب الشمالي. ففي منشور على منصة «تروث سوشيال» بتاريخ 18 يناير، زعم ترمب أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) طالب الدنمارك على مدى 20 عاماً بالتصدي للنفوذ الروسي في غرينلاند، وأن كوبنهاغن «لم تنجح في القيام بذلك»، مؤكداً أن «الوقت قد حان للتدخل».
وفي سياق متصل، كشفت رسائل نصية متبادلة بين ترمب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره عن شكوك ترمب في «حق ملكية» الدنمارك للإقليم. صرح ترمب في هذه الرسائل بأن «الدنمارك لا تستطيع حماية هذه الأرض من روسيا أو الصين، فلماذا تمتلك حقاً فيها من الأساس؟»، مضيفاً أن «العالم لن يكون آمناً ما لم نملك سيطرة كاملة وشاملة على غرينلاند».
الاستجابة الدنماركية ومخاوف أمنية أوسع
على الرغم من تزامن نشر القوات مع تصريحات ترمب، أوضح اللواء أندرسن، بحسب وكالة «رويترز»، أن هذه الخطوة تأتي في إطار مخاوف أمنية أوسع نطاقاً في منطقة القطب الشمالي، وليست رداً مباشراً على تصريحات الرئيس الأمريكي السابق. من جانبه، أكد وزير الدفاع الدنماركي ترولس لوند بولسن أن بلاده بدأت بالفعل في تعزيز وجودها العسكري في غرينلاند ومحيطها بالتعاون مع حلفائها في الناتو، في إطار جهود تقوية الدفاعات في المنطقة القطبية. وأشار إلى أن بعض القوات قد تبقى هناك لمدة عام أو أكثر، مع خطط لتناوب قوات إضافية خلال السنوات المقبلة، مما يؤكد على استراتيجية طويلة الأمد.
التأثيرات المتوقعة والتداعيات الجيوسياسية
إن هذا التصعيد القطبي له تداعيات متعددة الأوجه. محلياً، قد يؤثر على العلاقة بين غرينلاند والدنمارك، ويثير نقاشات حول مستقبل الحكم الذاتي للجزيرة ومواردها الطبيعية. إقليمياً، يعزز دور الدنمارك كقوة قطبية ويؤكد التزامها تجاه حلف الناتو في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. دولياً، يسلط الضوء على التنافس المتزايد بين القوى العظمى للسيطرة على القطب الشمالي، الذي أصبح ساحة جديدة للمواجهة الجيوسياسية. تهديدات ترمب بفرض ضريبة استيراد بنسبة 10% على السلع القادمة من الدول الداعمة للدنمارك وغرينلاند، بما في ذلك النرويج، تزيد من تعقيد المشهد وتؤكد على جدية المصالح الأمريكية في المنطقة. هذه التحركات تؤكد أن القطب الشمالي لم يعد منطقة نائية، بل أصبح في صميم الاهتمامات الأمنية والاقتصادية العالمية، مما يتطلب يقظة وتعاوناً دولياً للحفاظ على استقراره.


