spot_img

ذات صلة

دييغو غارسيا: ترمب ينتقد بريطانيا ويحذر من الصين وروسيا

في تطور لافت يعكس التوترات الجيوسياسية المتزايدة، وصف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، اتفاق بريطانيا على التنازل عن سيادة جزيرة دييغو غارسيا، ضمن أرخبيل تشاغوس، لصالح موريشيوس بأنه «عمل من أعمال الضعف الكامل». لم يكتفِ ترمب بهذا الانتقاد اللاذع، بل ربط هذه الخطوة بما وصفه بـ«الحاجة الأمنية الملحّة» لاستحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند، مسلطًا الضوء على مخاوفه من تزايد النفوذ الصيني والروسي في مناطق استراتيجية حيوية. هذا الموقف المثير للجدل يعيد إلى الواجهة أهمية دييغو غارسيا كقاعدة عسكرية محورية، ويثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين الحلفاء الغربيين في ظل ديناميكيات القوة العالمية المتغيرة.

تُعد جزيرة دييغو غارسيا، الواقعة في قلب المحيط الهندي، جزءًا من أرخبيل تشاغوس الذي كان يُعرف سابقًا بالإقليم البريطاني في المحيط الهندي (BIOT). تعود جذور النزاع حول سيادة هذه الجزر إلى فترة إنهاء الاستعمار في ستينيات القرن الماضي، عندما فصلت بريطانيا الأرخبيل عن موريشيوس قبل منح الأخيرة استقلالها. في تلك الفترة، قامت بريطانيا بتهجير قسري لسكان تشاغوس الأصليين، المعروفين باسم «التشاغوسيين»، لإفساح المجال أمام إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية-بريطانية مشتركة. لطالما طالبت موريشيوس باستعادة سيادتها على الأرخبيل، وقد حظي موقفها بدعم دولي متزايد، بما في ذلك رأي استشاري من محكمة العدل الدولية عام 2019 وقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو بريطانيا إلى إنهاء إدارتها للجزر.

تضم جزيرة دييغو غارسيا قاعدة جوية وبحرية أمريكية-بريطانية تُعد من أهم القواعد العسكرية في المحيط الهندي، إن لم تكن الأهم. موقعها الاستراتيجي الفريد يجعلها نقطة انطلاق حيوية للعمليات العسكرية والاستخباراتية في منطقة تمتد من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. لقد لعبت القاعدة دورًا محوريًا في حروب الخليج، والعمليات في أفغانستان، ومكافحة القرصنة، وتُعتبر ركيزة أساسية لاستعراض القوة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي تشهد تنافسًا جيوسياسيًا متصاعدًا. قدرتها على استضافة قاذفات استراتيجية وسفن حربية يجعلها أداة لا غنى عنها في الحفاظ على الأمن الإقليمي والمصالح الغربية.

توصلت بريطانيا وموريشيوس العام الماضي إلى اتفاق مبدئي يقضي بنقل السيادة على جزر تشاغوس إلى موريشيوس، مع ضمان استمرار بريطانيا في الاحتفاظ بالسيطرة على القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا بموجب عقد إيجار طويل الأمد قد يمتد لمئة عام. هذا الاتفاق، الذي حظي بدعم الإدارة الأمريكية السابقة التي رحبت به كخطوة لضمان التشغيل طويل الأمد للقاعدة، قوبل بانتقاد حاد من ترمب. فقد اعتبره في منشور على منصة «تروث سوشيال» بمثابة «تخلٍّ غير مبرر» عن أصل استراتيجي حيوي، محذرًا من أن «الصين وروسيا لا شك أنهما لاحظتا هذا التصرف»، وأنه يبعث برسائل ضعف قد تمس الأمن القومي الغربي.

تأتي تحذيرات ترمب في سياق تصاعد النفوذ الصيني والروسي في المحيط الهندي ومناطق أخرى حول العالم. تسعى الصين إلى توسيع بصمتها البحرية والاقتصادية عبر مبادرة «الحزام والطريق»، بما في ذلك تطوير موانئ في المنطقة يمكن أن يكون لها استخدامات مزدوجة (مدنية وعسكرية). كما تسعى روسيا إلى استعادة نفوذها العالمي وتحدي الهيمنة الغربية. من منظور ترمب، فإن التنازل عن سيادة دييغو غارسيا، حتى مع الاحتفاظ بالقاعدة، قد يُنظر إليه كسابقة تضعف الموقف الغربي وتفتح الباب أمام مطالبات أو ضغوط مستقبلية قد تهدد استقرار القاعدة أو وصول الحلفاء إليها، مما يعزز من قدرة القوى المنافسة على ملء أي فراغ استراتيجي.

في المقابل، دافع الوزير البريطاني البارز دارين جونز عن الاتفاق، مؤكدًا أنه يمثل «الخيار الأفضل» لضمان استمرار عمل القاعدة العسكرية لعقود قادمة. وأوضح أن المعاهدة «وقّعت بالفعل ولا يمكن التراجع عنها»، مشددًا على أن أفضل رد بريطاني يكمن في توظيف النفوذ الدبلوماسي للمملكة المتحدة وعلاقة رئيس الوزراء بالرئيس الأمريكي لحماية المصالح البريطانية. هذه التطورات تأتي في وقت تشهد فيه العلاقة بين رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وترمب توترًا ملحوظًا. فبعد أن نجح ستارمر في بناء علاقة متينة نسبيًا مع ترمب، تُوّجت باتفاق لخفض بعض الرسوم الجمركية، شهدت هذه العلاقة تدهورًا على خلفية الخلاف حول غرينلاند، ثم تصريحات ترمب الأخيرة بشأن دييغو غارسيا. يواصل ترمب التأكيد على أن تزايد النفوذ الصيني والروسي يجعل من غرينلاند موقعًا حيويًا للأمن القومي الأمريكي، مكررًا أنه «لن يقبل بأقل من امتلاكها بالكامل»، مما يعكس رؤيته الشاملة لضرورة تأمين الأصول الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة التحديات العالمية.

إن الجدل حول دييغو غارسيا وغرينلاند يسلط الضوء على تحول عميق في المشهد الجيوسياسي العالمي. فبينما تسعى بريطانيا إلى حل نزاع استعماري طويل الأمد بطريقة تحافظ على مصالحها الأمنية، يرى ترمب في ذلك ضعفًا قد تستغله القوى المنافسة. هذه الخلافات لا تؤثر فقط على العلاقات الثنائية بين الحلفاء، بل تحمل تداعيات أوسع على الاستقرار الإقليمي والدولي، وتُبرز التحديات التي تواجه الغرب في الحفاظ على هيمنته ونفوذه في عالم متعدد الأقطاب. مستقبل القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا، ومصير مطالبات غرينلاند، سيبقيان محط أنظار المراقبين كدلالة على كيفية تعامل القوى الكبرى مع التوازنات الجيوسياسية المعقدة في القرن الحادي والعشرين.

spot_imgspot_img