شهدت العاصمة السورية دمشق مؤخراً جولة مفاوضات حاسمة بين الحكومة السورية والمبعوث الأمريكي توم براك ووفد من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي انتهت بالفشل الذريع. كشفت مصادر سورية مطلعة أن قائد قسد، مظلوم عبدي، تراجع عن اتفاق مبدئي كان قد وقعه مع الرئيس أحمد الشرع يوم الأحد، وهو اتفاق يؤكد على وحدة الأراضي السورية وسيادتها. هذا التطور يضع مستقبل شمال شرق سوريا على المحك ويهدد بتصعيد التوترات في المنطقة.
ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، استمر الاجتماع لخمس ساعات متواصلة بحضور رفيع المستوى ضم الرئيس الشرع، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، ومدير المخابرات حسين السلامة، بالإضافة إلى الوفد الأمريكي برئاسة توم براك. خلال هذه الجلسة المطولة، تراجع وفد قسد بقيادة مظلوم عبدي عن بنود الاتفاق، ورفض عرضاً بمنصب نائب وزير الدفاع أو ترشيح اسم لمنصب محافظ الحسكة، وهي خطوات كانت تهدف إلى إبعاد قسد عن نفوذ حزب العمال الكردستاني (PKK). أشارت المصادر إلى أن عبدي لم يكن صاحب قرار مستقل، بل كان متردداً تحت ضغوط مكثفة من قيادات حزب العمال الكردستاني للتراجع عن الاتفاق الذي رعاه سابقاً زعيم إقليم كردستان العراق السابق، مسعود بارزاني.
كان ملف محافظة الحسكة، المعقل الرئيسي للأقلية الكردية في سوريا، نقطة الخلاف الجوهرية. رفض الرئيس الشرع طلب عبدي الإبقاء على المحافظة تحت إدارة قسد لإتمام الاتفاق. كما رفض الشرع مهلة الخمسة أيام التي طلبها عبدي للتشاور مع قيادة قسد، مطالباً إياه بجواب نهائي بنهاية اليوم، وإلا فإن الدولة السورية ستبلغ الأطراف الدولية بانسحاب مظلوم عبدي من الاتفاق وستحسم ملف الحسكة بالقوة. هذا الموقف الحازم من دمشق يعكس إصرارها على استعادة السيطرة الكاملة على جميع الأراضي السورية.
من جانبه، أكد مسؤول كردي أن اللقاء لم يفضِ إلى توافق. وأعلن ممثل الإدارة الذاتية الكردية في دمشق، عبدالكريم عمر، أن المفاوضات انهارت تماماً، زاعماً أن مطلب السلطات السورية الوحيد هو ‘الاستسلام غير المشروط’ للقوات الكردية. وقد وصف مستشار الرئيس السوري، أحمد موفق زيدان، اللقاء بأنه لم يكن على قدر التطلعات، وكشف عن انقسامات داخل قوات سوريا الديمقراطية، مشيراً إلى أن ما يوقعه مظلوم عبدي لا يقنع ‘تيار قنديل’ في قسد بسبب سيطرة ‘العقلية المليشياوية’، وتحدث عن انعدام الثقة بعد تنصل قسد من الاتفاق السابق.
تأتي هذه التطورات في سياق الصراع السوري المعقد الذي بدأ عام 2011، والذي شهد ظهور قوى متعددة على الساحة. قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من الولايات المتحدة، تشكلت كقوة رئيسية في شمال شرق سوريا، ولعبت دوراً حاسماً في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ومع ذلك، فإن علاقتها بحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية، تظل نقطة توتر رئيسية إقليمياً ودولياً. لطالما أكدت الحكومة السورية على ضرورة استعادة سيطرتها الكاملة على جميع الأراضي السورية، بما في ذلك المناطق التي تسيطر عليها قسد، وتعتبر أي وجود عسكري أجنبي غير مرغوب فيه انتهاكاً لسيادتها. شهدت السنوات الماضية محاولات متقطعة للحوار بين دمشق وقسد، لكنها غالباً ما اصطدمت بخلافات جوهرية حول مستقبل الإدارة الذاتية الكردية وطبيعة العلاقة بين هذه القوات والدولة السورية المركزية.
إن انهيار هذه المفاوضات يحمل تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يهدد الفشل بتصعيد عسكري محتمل في شمال شرق سوريا، مما يعرض حياة المدنيين للخطر ويزيد من الأزمة الإنسانية في مناطق مثل الحسكة ودير الزور والرقة، التي شهدت بالفعل سنوات من الصراع. كما أن استمرار حالة عدم اليقين السياسي والإداري يعيق جهود إعادة الإعمار والاستقرار. إقليمياً، يثير هذا التطور قلق تركيا التي ترى في قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وقد يؤدي إلى تدخلات عسكرية تركية إضافية في المنطقة. كما يؤثر على استقرار الحدود مع العراق ودور إقليم كردستان العراق. دولياً، يعكس هذا الفشل تعقيد المشهد السوري وتضارب مصالح القوى الكبرى. فبينما تدعم الولايات المتحدة قسد، تدعم روسيا الحكومة السورية، مما يجعل التوصل إلى حل سياسي شامل أمراً بالغ الصعوبة. يضع هذا الانهيار مزيداً من الضغط على الجهود الدبلوماسية الدولية لإيجاد مخرج للأزمة السورية، ويؤكد على أن مستقبل سوريا لا يزال بعيداً عن الاستقرار المنشود.
في غضون ذلك، تواصل القوات السورية تقدمها في شمال وشرق البلاد، حيث أعلنت وزارة الدفاع السيطرة الكاملة على محافظتي الرقة ودير الزور، بينما لا تزال الأجزاء الشرقية من الحسكة تحت سيطرة قسد. وقد أعلن الجيش السوري وصول وحداته إلى ‘مشارف’ مدينة الحسكة. ومع انهيار المفاوضات، أكد مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، الجناح السياسي لقسد، أنه لم يرفض الحوار، لكنه ‘يرفض الخروقات وفرض الأوامر’، ويطالب باللامركزية كحل للأزمة الراهنة. هذا التباين في المواقف ينذر بمرحلة جديدة من التوتر والبحث عن حلول قد تكون عسكرية في طبيعتها، ما لم تتدخل جهود دبلوماسية جديدة لإنقاذ الوضع.


