أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون التزام الدولة اللبنانية الراسخ بمواصلة جهودها الحثيثة لحصر السلاح بيد الدولة وبسط سيادتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية. جاء ذلك في كلمة ألقاها الرئيس عون أمام أعضاء السلك الدبلوماسي وممثلي المنظمات الدولية المعتمدين في لبنان، حيث شدد على أن ما تحقق في قضية حصر السلاح غير الشرعي ليس قليلاً، وأن هذه الخطوات تمثل تقدماً ملموساً نحو استعادة الشرعية الوطنية والدولية.
وأوضح الرئيس عون أن لبنان، بطبيعته وتاريخه، “منذور للسلام وليس بلد حروب واعتداءات”، مؤكداً أن السلام المنشود هو “سلام مجرد من السلاح”، وأن الهدف الأسمى هو “إعادة البلد إلى الشرعية العربية والدولية”. هذه التصريحات تعكس رؤية واضحة لمستقبل لبنان كدولة ذات سيادة كاملة، قادرة على حماية مواطنيها وتأمين استقرارها بعيداً عن تدخلات وصراعات الآخرين التي طالما أثقلت كاهل البلاد.
تأتي هذه الجهود في سياق تاريخي معقد، حيث عانى لبنان لعقود من تحديات جسيمة تتعلق بوجود السلاح خارج إطار الدولة. فمنذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990، والتي نص اتفاق الطائف على ضرورة حل الميليشيات ونزع سلاحها، ظلت قضية حصر السلاح بيد القوات الشرعية للدولة مطلباً أساسياً لتحقيق الاستقرار الدائم. إن انتشار السلاح غير الشرعي لطالما كان مصدراً للتوترات الداخلية، وعائقاً أمام التنمية الاقتصادية، ومقوضاً لسلطة الدولة ومؤسساتها، مما جعل هذه القضية محورية في أي خطة لإعادة بناء لبنان.
ولم تقتصر إنجازات الحكومة على الجانب الأمني فحسب، بل أشار الرئيس عون إلى “خطوات جبارة” في قانون استقلالية القضاء، مؤكداً أن البلاد حققت تقدماً اقتصادياً كبيراً رغم الأوضاع الإقليمية والدولية غير المستقرة. هذه الإصلاحات القضائية والاقتصادية تُعد ركائز أساسية لتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين في الدولة، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، مما يساهم في تحقيق النهوض الشامل الذي يطمح إليه لبنان.
وشدد الرئيس عون على أن الهدف الأول في مستهل ولايته كان ضمان الاستقرار الوطني والتحضير لعودة لبنان ونهوضه الشامل، مؤكداً أن “الحقيقة في ما ترون لا في ما تسمعون”، وأن الدولة ماضية في بسط سلطتها على كافة أراضيها. واعتبر أن ما تحقق خلال السنة الأولى من عهده، بالتعاون مع حكومة الرئيس نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري وبمشاركة القوى السياسية، لم يعرفه لبنان منذ أكثر من 40 عاماً. وأشار بشكل خاص إلى الإنجازات المحققة بين 5 أغسطس و5 سبتمبر في خطة حصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً أن هذا القرار جاء رغم حملات التشويه والتخوين والتجريح التي واجهتها الحكومة.
وفي إشارة إلى منطقة جنوب الليطاني، أكد الرئيس عون أن الجيش اللبناني والقوى المسلحة وحدها تتولى مسؤولية هذه المنطقة الحيوية، حيث تمكنت منذ أكثر من 10 أشهر من السيطرة عليها ونزع السلاح غير الشرعي. وأوضح أن رصاصة واحدة لم تُطلق من لبنان خلال سنة من رئاسته، باستثناء حادثتين فرديتين سُجلتا في مارس الماضي، ما يعكس مستوى الضبط والسيطرة الأمنية الفائقة والالتزام بالاستقرار الوطني، ويؤكد التزام لبنان بالقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي.
إن أهمية هذه الخطوات تتجاوز الحدود المحلية لتشمل الأبعاد الإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، يعزز بسط سيطرة الدولة وحصر السلاح من هيبة القانون، ويحمي المدنيين، ويخلق بيئة آمنة ومستقرة ضرورية لجذب الاستثمارات وإعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، مما ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين اليومية ورفاههم. إقليمياً، يساهم لبنان المستقر والسيادي في تخفيف التوترات في منطقة الشرق الأوسط المضطربة، ويقلل من احتمالية تحوله إلى ساحة للصراعات بالوكالة. دولياً، تعيد هذه الجهود الثقة في قدرة لبنان على الوفاء بالتزاماته الدولية، وتفتح الأبواب أمام دعم أكبر من المجتمع الدولي لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
وفي الختام، تؤكد تصريحات الرئيس عون التزاماً لا يتزعزع ببناء دولة قوية وموحدة، حيث تكون السيادة للقانون وحده، والسلاح حكراً على المؤسسات الشرعية. إن هذا المسار، رغم التحديات الكبيرة، هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل مزدهر ومستقر للبنان وشعبه، بعيداً عن شبح الصراعات والتدخلات الخارجية.


