تتواصل فصول التوتر في المشهد الفلسطيني الإسرائيلي، حيث كشفت وسائل إعلام إسرائيلية بارزة، على رأسها صحيفة «هآرتس»، عن رفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي القاطع السماح لأعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية بدخول قطاع غزة. يأتي هذا الرفض رغم التخطيط المسبق لدخول اللجنة عبر معبر رفح الحدودي خلال الأسبوع الحالي، في خطوة تعرقل جهود إرساء إدارة مدنية مستقرة في القطاع المحاصر.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن إسرائيل لم تمنح حتى الآن التصاريح اللازمة لأعضاء اللجنة، مما يحول دون بدء عملهم الميداني الحيوي في إدارة الشؤون المدنية والإغاثية داخل غزة. هذا التعنت الإسرائيلي يتزامن مع قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر «الكابينت» بعدم فتح معبر رفح في الوقت الراهن، وذلك على الرغم من الضغوط الأمريكية المتزايدة لفتحه كجزء أساسي من تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
خلفية الأزمة وأهمية معبر رفح
تأتي هذه التطورات في سياق أوسع للصراع الدائر في قطاع غزة، الذي شهد دماراً واسع النطاق وأزمة إنسانية غير مسبوقة. فبعد أشهر من العمليات العسكرية، بات القطاع في أمس الحاجة إلى جهود إغاثية وإعادة إعمار ضخمة. لطالما كان معبر رفح، الواقع على الحدود المصرية الفلسطينية، الشريان الحيوي والوحيد لدخول المساعدات الإنسانية الأساسية، الوقود، المواد الغذائية، والأدوية، بالإضافة إلى حركة الأفراد من وإلى القطاع. إغلاقه يفاقم بشكل كارثي الأزمة الإنسانية الهائلة التي يعاني منها أكثر من مليوني فلسطيني، يعيشون ظروفاً قاسية للغاية، مع نقص حاد في كل مقومات الحياة الأساسية.
إن تشكيل لجنة تكنوقراطية فلسطينية يمثل جزءاً من رؤية دولية لإرساء إدارة مدنية محايدة ومؤقتة في غزة، تكون قادرة على تلبية الاحتياجات الفورية للسكان بعيداً عن التجاذبات السياسية المعقدة. هذه اللجنة، التي تهدف إلى إدارة الشؤون المدنية والإغاثية، تُعد خطوة أولى نحو استقرار محتمل وإعادة بناء ما دمرته الحرب، وتجنب الفراغ الإداري الذي قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى.
تداعيات الموقف الإسرائيلي على الجهود الدولية
تشير المصادر إلى أن الموقف الإسرائيلي يعكس توتراً متزايداً مع الإدارة الأمريكية، خصوصاً بعد إعلان واشنطن تشكيل مجلس تنفيذي دولي يشمل ممثلين عن دول تعتبرها إسرائيل «غير صديقة»، مثل تركيا وقطر. هذا الخلاف يهدد بتقويض الجهود الدبلوماسية المعقدة التي بذلتها الولايات المتحدة وقطر ومصر للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.
لقد انتقل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية وقطرية ومصرية، إلى المرحلة الثانية مؤخراً. تركز هذه المرحلة على تشكيل إدارة تكنوقراطية فلسطينية انتقالية لإدارة شؤون القطاع، وبدء نزع السلاح، وإعادة الإعمار. وتشمل هذه المرحلة تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» أو ما تعرف باللجنة الوطنية لإدارة غزة، برئاسة شخصيات مثل علي شعث، لتولي المهمات الإدارية والمدنية في القطاع، إضافة إلى «مجلس سلام» دولي برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ومجلس تنفيذي يضم ممثلين عن دول مثل تركيا وقطر.
تأثيرات الإغلاق ورفض الدخول
تؤكد «هآرتس» أن أعضاء اللجنة لا يعرفون حتى الآن موعداً أو آلية لدخولهم إلى غزة، مما يثير مخاوف جدية من تعمد إعاقة عمل اللجنة وإفشال انتقال الإدارة المدنية. هذا الوضع لا يؤثر فقط على قدرة اللجنة على أداء مهامها، بل يهدد أيضاً بتفاقم الأزمة الإنسانية بشكل لا يمكن السيطرة عليه، حيث تعتمد حياة الملايين على تدفق المساعدات عبر رفح.
على الصعيد السياسي، فإن رفض إسرائيل فتح معبر رفح بشكل كامل، رغم المطالبة الأمريكية الصريحة بذلك كشرط أساسي لتقدم المرحلة الثانية، يضع عقبات كبيرة أمام تنفيذ الاتفاق. هذا التعنت قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين الأطراف المعنية، ويعرقل أي محاولات مستقبلية لإرساء سلام دائم أو حلول سياسية للأزمة. كما أنه يبرز التحديات الجسيمة التي تواجه أي محاولة لإعادة هيكلة الحكم في غزة في ظل استمرار الاحتلال والقيود المفروضة على حركة الأشخاص والبضائع.
إن استمرار إغلاق معبر رفح ومنع دخول لجنة الإدارة المدنية يمثلان نقطة خلاف رئيسية، لا تهدد فقط مستقبل غزة، بل تضع أيضاً العلاقات الإقليمية والدولية على المحك، وتلقي بظلالها على مصداقية الجهود الدولية الرامية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.


