يصعد دونالد ترمب من حدة التوتر والحرب الكلامية مع الدول الأوروبية بشأن جزيرة غرينلاند، حيث نشر اليوم الثلاثاء على حسابه في منصة «تروث سوشيال» صورة استفزازية تظهره يغرس العلم الأمريكي في غرينلاند، محاطًا بنائب الرئيس جيه.دي. فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وقد أظهرت الصورة لافتة أخرى كتب عليها بوضوح: «غرينلاند.. إقليم أمريكي، تأسس عام 2026». هذا التأكيد الرقمي يأتي وسط خلفية من الخطاب المتصاعد، مما يعيد إشعال النقاشات حول الأهمية الاستراتيجية لهذه الجزيرة القطبية.

وكرر الرئيس الأمريكي السابق، في سلسلة من المنشورات الصباحية المبكرة على منصته «تروث»، مطالبته بأن تتولى بلاده السيطرة على غرينلاند، واصفًا الجزيرة بأنها «حيوية» للأمن العالمي. وكتب: «لا يمكن الرجوع عن ذلك.. الجميع متفق على هذا»، وذلك على الرغم من الطبيعة الخيالية الواضحة للصورة والتاريخ المستقبلي للتأسيس المذكور.
ونشر ترمب صورة أخرى معدلة لاجتماع في المكتب البيضاوي مع قادة أوروبيين، وإلى جانبهم خريطة لنصف الكرة الأرضية الغربي حيث ظهرت الولايات المتحدة وفنزويلا وغرينلاند وكندا بالألوان الأحمر والأبيض والأزرق، وهي ألوان علم أمريكا، مما يعزز بصريًا طموحاته الإقليمية الواسعة.
يذكر أن الصورة الأصلية المستخدمة في الصورة المُعدلة تظهر ترمب مجتمعاً مع القادة الأوروبيين في المكتب البيضاوي في أغسطس الماضي، لمناقشة جهود إنهاء حرب أوكرانيا. وكان من بين الحاضرين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني، مما يبرز التباين بين الانخراطات الدبلوماسية الفعلية والمزاعم التكهنية المقدمة.
إن فكرة استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند ليست بالجديدة. تاريخيًا، أبدت الولايات المتحدة اهتمامًا بالجزيرة الشاسعة المغطاة بالجليد نظرًا لموقعها الاستراتيجي. ففي عام 1867، استكشفت وزارة الخارجية الأمريكية إمكانية شراء غرينلاند وأيسلندا. والأكثر شهرة، في عام 1946، عرض الرئيس هاري إس. ترومان على الدنمارك 100 مليون دولار مقابل غرينلاند، وهو عرض قوبل بالرفض القاطع. تسلط هذه السوابق التاريخية الضوء على الأهمية الجيوسياسية الدائمة لغرينلاند، خاصة في سياق الدفاع عن القطب الشمالي والتحكم في الموارد.
تتمتع غرينلاند، وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، بقيمة استراتيجية هائلة. فموقعها بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي يجعلها نقطة حاسمة للعمليات العسكرية والبحث العلمي. ومع تسارع وتيرة تغير المناخ، يؤدي ذوبان الجليد في القطب الشمالي إلى فتح ممرات ملاحية جديدة، مثل ممر الشمال الغربي، ويكشف عن إمكانية الوصول إلى موارد طبيعية هائلة غير مستغلة، بما في ذلك المعادن النادرة والنفط والغاز. وقد أدى ذلك إلى تكثيف الاهتمام العالمي بالمنطقة، مع زيادة القوى الكبرى مثل روسيا والصين لوجودها وتأثيرها في القطب الشمالي، مما يجعل أي مزاعم حول غرينلاند مسألة ذات اهتمام دولي.
إن تصريحات ترمب الاستفزازية وتأكيداته الرقمية بشأن غرينلاند تؤدي حتمًا إلى توتر العلاقات الدبلوماسية، لا سيما مع الدنمارك وحلفاء أوروبيين آخرين. مثل هذا الخطاب يتحدى الأعراف الدولية الراسخة والسيادة، مما قد يقوض تحالفات مثل الناتو، حيث تعد الدنمارك عضوًا رئيسيًا. وتمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من العلاقات الثنائية، لتؤثر على الاستقرار الجيوسياسي الأوسع لمنطقة القطب الشمالي وتثير تساؤلات حول مستقبل التعاون الدولي في إدارة مواردها وأمنها.
تتوافق هذه الاستفزازات الأخيرة مع خطاب ترمب السابق. فقد كرر مراراً في السابق فكرة وضع كندا تحت السيطرة الأمريكية، مقترحا في بعض الأحيان أن تصبح الدولة الجارة، «الولاية الحادية والخمسين» لأمريكا، في تصريحات أثارت غضباً عارماً في كندا. وألمح ترمب إلى رغبته في ممارسة سيطرة أكبر على نصف الكرة الأرضية الغربي عملاً بـ «مذهب دونرو»، وهو مزيج من اسمه واسم جيمس مونرو، وهو رئيس أمريكي سابق أكدت عقيدته سيطرة الولايات المتحدة على الأمريكتين. ولفت الرئيس الأمريكي أخيرا، إلى أن بلاده «تدير» الآن فنزويلا عقب العملية العسكرية في كراكاس يوم 3 يناير الجاري، والتي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإزاحته من منصبه، مما يوضح رؤيته التوسعية للنفوذ الأمريكي.


