يُعد مهرجان جازان السنوي، الذي تستضيفه منطقة جازان الساحرة، أحد أبرز الفعاليات الثقافية والتراثية في المملكة العربية السعودية، وملتقىً حافلاً للاحتفاء بالهوية الأصيلة للمنطقة وتنوعها الثقافي الغني. وفي نسخته لعام 2026، يبرز ركن محافظة الحرث كنموذج حي لهذا الاحتفاء، مقدماً للزوار نافذة فريدة على عمق التراث الشعبي والفنون الأدائية التي تميز هذه المحافظة العريقة.
تتمتع منطقة جازان بموقع جغرافي استراتيجي وتاريخ عريق، مما أكسبها تنوعاً ثقافياً فريداً يمزج بين تأثيرات الساحل والجبال والسهول. وتُعد محافظة الحرث، الواقعة في الجزء الجبلي من المنطقة، خزانًا غنيًا للتراث، حيث تشتهر ببيئتها الزراعية الخصبة وفنونها الشعبية المميزة. تأتي مشاركة الحرث في المهرجان لتسلط الضوء على هذا الإرث الثقافي، مؤكدة على أهمية صونه ونقله للأجيال القادمة.
وقد أوضح الدكتور خالد عبدالله مدخلي، المشرف على ركن محافظة الحرث، أن الركن يزخر بالعديد من الموروثات الشعبية التي تعكس أنماط الحياة القديمة في المحافظة. فمن الأواني الفخارية والحجرية التي كانت تستخدم في الطهي والتخزين، إلى الخزف والأواني المصنوعة ببراعة من سعف النخيل، وأدوات الحراثة القديمة التي تروي قصصاً عن كفاح الأجداد في الزراعة، يقدم الركن بانوراما شاملة للحياة اليومية. كما يضم الركن مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تجسد طبيعة المحافظة الخلابة ومناظرها الطبيعية الساحرة، من جبالها الشاهقة إلى أوديتها الخضراء.
ولإضفاء لمسة من الحيوية والأصالة، يشارك في الركن عدد من سيدات الأسر المنتجة، اللواتي يقدمن للزوار تشكيلة واسعة من الأكلات الشعبية الشهية التي تُصنع بأيادٍ محلية ماهرة، والتي تعكس غنى المطبخ الجازاني. ولا يقتصر العرض على المأكولات، بل يشمل أيضاً أنواعاً من البخور المحلي الفواح والنباتات العطرية التي تشتهر بها المنطقة، والتي تُستخدم في الضيافة والزينة. ويستقبل مجلس الضيافة التقليدي الزوار بكراسيه الخشبية المريحة، مقدماً الحلوى البلدي والقهوة والشاي، في أجواء تعبق بكرم الضيافة الأصيل. كما يعرض الركن المنتجات الزراعية التي تشتهر بها الحرث، مثل المانجو والفل والبن، مما يبرز الخصوبة الزراعية للمحافظة.
تتجسد روح التراث في العروض الحية التي يقدمها أبناء المحافظة، مرتدين الزي الشعبي التقليدي الذي يعكس هويتهم الثقافية. وتشمل هذه العروض فنوناً أدائية مثل “المعشى” و”الريش” و”السيف”، وهي رقصات شعبية تعبر عن الشجاعة والفرح والاحتفال، مصحوبة بأهازيج وأصوات الناي الشجي الذي يضفي على الأجواء طابعاً خاصاً. كما يشارك صاحب المزمار بمقطوعات موسيقية متنوعة، تأسر الحضور بأنغامها الأصيلة.
ولضمان استمرارية التراث، شهد الركن مشاركة فعالة من الأطفال، الذين ارتدوا الأزياء التقليدية وقاموا بتمثيل أدوار مختلفة تعكس جوانب من الحياة القديمة، مثل دور العروس، وطريقة طحن الذرة باستخدام الأدوات القديمة، وعملية خض اللبن. هذه المشاركات لا تقتصر على الترفيه، بل تعد وسيلة تعليمية وتربوية مهمة لغرس حب التراث في نفوس الأجيال الصاعدة، وتعريفهم بعادات وتقاليد أجدادهم.
إن مشاركة محافظة الحرث في مهرجان جازان 2026 لا تقتصر على عرض الموروثات فحسب، بل تمثل دعماً حيوياً للأسر المنتجة والحرفيين المحليين، وتسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية بالمنطقة. كما أنها تعزز من مكانة المهرجان كمنصة وطنية ودولية للتبادل الثقافي، وتدعم أهداف رؤية المملكة 2030 في الحفاظ على التراث الوطني وتنميته، وتقديم صورة مشرقة عن غنى الثقافة السعودية وتنوعها.


