في خطوة تعكس تشديده للانضباط وتأكيده على ضرورة تحقيق النتائج، أقال الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، نائب رئيس الوزراء المسؤول عن قطاع الصناعات الميكانيكية، على خلفية تعثر مشروع تحديث أحد المصانع الكبرى. هذا القرار، الذي جاء قبيل انعقاد مؤتمر سياسي محوري لحزب العمال الحاكم، يسلط الضوء على أسلوب كيم الصارم في الإدارة ومحاولاته المستمرة لدفع المسؤولين نحو أداء أفضل، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة التي تواجه البلاد.
تفاصيل الإقالة والتوبيخ العلني
وذكرت وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية أن كيم حمّل يانغ سونغ هو، نائب رئيس الوزراء المشرف على صناعة الآلات، مسؤولية مباشرة عن ما وصفه بـ«الفوضى البشرية غير الضرورية» التي رافقت أعمال تحديث مجمع ريونغسونغ للآلات في شمال شرق البلاد. هذا المجمع، الذي يُعد ركيزة أساسية في الصناعات الثقيلة الكورية الشمالية، كان من المفترض أن يشهد تحديثاً جذرياً لتعزيز قدراته الإنتاجية، لكن المشروع واجه عقبات كبيرة أدت إلى خسائر اقتصادية ليست بالقليلة، وفقاً لتصريحات كيم.
وخلال خطاب ألقاه كيم بمناسبة إنجاز المرحلة الأولى من خطة تحديث المجمع، لم يتردد في توجيه انتقادات علنية لاذعة ليانغ، مشيراً إلى أنه سبق أن وجه له تحذيرات خلال اجتماع حزبي في ديسمبر الماضي، وراقب أداءه عن كثب، لكنه خلص إلى أن المسؤول يفتقر تماماً إلى حس المسؤولية. وأضاف كيم، مستخدماً تشبيهاً لافتاً يعكس استياءه الشديد: «بعبارة أبسط، كان كمن يربط ماعزاً لجر عربة مخصصة لثور، يجب أن نعتبر هذا خطأ عرضياً في ممارساتنا بتعيين الكوادر، فهل يمكننا أن نتوقع من ماعز أن يجر عربة ثور؟».
أسلوب كيم جونغ أون في الإدارة ودلالاته التاريخية
هذا الأسلوب في التوبيخ العلني والإقالة ليس جديداً على كيم جونغ أون. فمنذ توليه السلطة في عام 2011، عُرف عنه اعتماده على سياسة الضغط الشديد على المسؤولين، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى حد الإعدام، بهدف ترسيخ سلطته وتوحيد الصفوف حول قيادته. هذه الممارسات تذكر بأساليب والده وجده في إدارة الدولة، حيث كان الولاء المطلق والكفاءة في تنفيذ الأوامر هما المعياران الأساسيان للبقاء في المناصب العليا. يرى محللون أن هذه الخطوات تهدف إلى «خلق حالة من التوتر الشديد بين كبار المسؤولين» ودفعهم إلى تحسين أدائهم بشكل جذري، خاصة قبيل انعقاد المؤتمر الحزبي الهام.
أهمية مؤتمر حزب العمال الحاكم
تستعد كوريا الشمالية لعقد مؤتمر حزب العمال الحاكم، وهو الأول منذ خمس سنوات، ويُعد من أبرز الفعاليات الدعائية والسياسية في البلاد. تاريخياً، تُعتبر مؤتمرات حزب العمال مناسبات نادرة ومهمة للغاية، حيث لم تُعقد سوى ثماني مرات منذ تأسيس الحزب في عام 1945. المؤتمر الأخير في عام 2016 كان الأول منذ 36 عاماً، وشهد ترسيخ سلطة كيم جونغ أون كـ«رئيس للحزب» وتحديد خطط خمسية جديدة. يهدف المؤتمر المرتقب إلى تقييم المشاريع السابقة، وتحديد أولويات سياسية واقتصادية جديدة، إلى جانب إجراء تغييرات في المناصب القيادية، مما يجعله منصة حاسمة لإعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي للبلاد للسنوات القادمة. إقالة مسؤول رفيع المستوى قبل هذا الحدث الكبير تبعث برسالة واضحة إلى النخبة الحاكمة مفادها أن الفشل لن يُتسامح معه.
التحديات الاقتصادية الهيكلية في كوريا الشمالية
في المقابل، يرى بعض الخبراء أن مشكلات المشروع لا تعود فقط إلى مسؤول بعينه، بل إلى أزمات هيكلية أعمق في الاقتصاد الكوري الشمالي. فالاقتصاد الكوري الشمالي يعاني منذ عقود من سوء الإدارة، والاعتماد المفرط على التخطيط المركزي غير الفعال، والعقوبات الدولية الصارمة المفروضة عليه بسبب برامجه النووية والصاروخية. سياسة «بيونغجين» التي تبناها كيم جونغ أون، والتي تهدف إلى التنمية المتوازية للاقتصاد والأسلحة النووية، أدت إلى تخصيص جزء كبير من الموارد الشحيحة لبرامج التسلح على حساب التنمية الاقتصادية المدنية.
وكان اقتصاد كوريا الشمالية قد تعرض لضربات قاسية خلال جائحة كوفيد-19، حيث أدت القيود الحدودية المشددة إلى توقف شبه كامل للتجارة مع الصين، شريان الحياة الاقتصادي للبلاد. ووفقاً للبنك المركزي الكوري الجنوبي، سجل الاقتصاد الكوري الشمالي نمواً بنسبة 3.7% في عام 2024، إلا أن مراقبين يشككون في قدرة البلاد على تحقيق نمو سريع ومستدام، في ظل التركيز المفرط على التسلح، والنظام الاقتصادي المركزي غير الكفء، والعقوبات الدولية المستمرة التي تفرضها الأمم المتحدة والولايات المتحدة. هذه العقوبات تحد بشكل كبير من قدرة بيونغ يانغ على استيراد السلع الأساسية والتكنولوجيا، مما يعيق تحديث الصناعات الحيوية مثل مجمع ريونغسونغ.
تحليلات الخبراء والتداعيات المحتملة
يؤكد الباحث في معهد كوريا للأبحاث الإستراتيجية في سيؤول، مون سونغ موك، أن كيم جونغ أون ركّز كل جهوده على البرامج النووية والصاروخية، لكنه أساء إدارة الاقتصاد، وهو الآن ينقل مسؤولية فشله إلى مرؤوسيه. هذا الرأي يلقى صدى لدى العديد من الخبراء الذين يرون أن إقالة يانغ سونغ هو هي محاولة من كيم لتبرير الإخفاقات الاقتصادية أمام شعبه ونخبته، وتحميل المسؤولية لـ«كبش فداء» بدلاً من الاعتراف بالمشكلات الهيكلية. كما أشار كواك غيل سوب، رئيس مركز «وان كوريا» المتخصص في شؤون كوريا الشمالية، إلى أن فوائد النمو الاقتصادي المحدود ذهبت في معظمها إلى النخبة الحاكمة وقطاع تطوير الأسلحة، دون أن تنعكس على حياة المواطنين، ما أدى إلى تعميق الفجوة الاجتماعية وتزايد الاستياء المحتمل.
الآفاق المستقبلية والعلاقات الدولية
ومن المتوقع أن ينعقد مؤتمر حزب العمال في أواخر يناير أو فبراير القادم، بحسب جهاز الاستخبارات الكوري الجنوبي. وخلاله، قد يعزز كيم سياسة التعاون مع روسيا والصين ودول أخرى بهدف تحقيق تحسن اقتصادي تدريجي، في محاولة لكسر العزلة الدولية المفروضة على بلاده. كما يراقب خبراء عن كثب ما إذا كان كيم سيتخذ خطوات لإحياء الدبلوماسية المتوقفة مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل تقارير عن زيارة محتملة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين في أبريل القادم، ما قد يفتح الباب أمام استئناف المحادثات بين واشنطن وبيونغ يانغ بشأن نزع السلاح النووي. ومع ذلك، يرجح مون أن يستخدم كيم المؤتمر لتكريس هدفه المعلن المتمثل في المضي قدماً بالتوازي في تطوير الأسلحة النووية والتقليدية، مما يشير إلى استمرار التوتر في شبه الجزيرة الكورية.
خاتمة
في الختام، تُعد إقالة نائب رئيس الوزراء الكوري الشمالي يانغ سونغ هو، وتوبيخه العلني، مؤشراً قوياً على الضغوط الداخلية التي يواجهها نظام كيم جونغ أون، خاصة مع اقتراب مؤتمر حزب العمال الحاكم. وبينما يسعى كيم لتعزيز الانضباط وتحميل المسؤولين تبعات الفشل، تظل التحديات الاقتصادية الهيكلية والعقوبات الدولية عوامل رئيسية تعيق تقدم كوريا الشمالية. إن كيفية تعامل بيونغ يانغ مع هذه التحديات، والمسار الذي ستحدده في مؤتمرها القادم، سيكون له تأثيرات عميقة على مستقبل البلاد واستقرار المنطقة.


