أقرّ مجلس الوزراء السعودي، برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمس (الثلاثاء)، خطوة محورية نحو تعزيز جودة الحياة للأفراد ذوي طيف التوحد في المملكة، وذلك بتشكيل لجنة وزارية متخصصة. تهدف هذه اللجنة إلى التنسيق الفعال لمواءمة الخدمات المقدمة لهذه الفئة الغالية من المجتمع، ودراسة التحديات المعقدة التي تواجههم وتواجه أسرهم، ومن ثم إيجاد الحلول المبتكرة واللازمة لمعالجتها بشكل جذري. يأتي هذا القرار ليؤكد مجدداً على النهج الإنساني الراسخ للمملكة، والذي يضع “الإنسان أولاً” في صدارة أولوياته التنموية والاجتماعية.
يُعد طيف التوحد اضطراباً نمائياً عصبياً يؤثر على كيفية إدراك الشخص للعالم وتفاعله مع الآخرين، ويتجلى في مجموعة واسعة من الأعراض والسلوكيات. ومع تزايد الوعي العالمي بأهمية التشخيص المبكر والتدخل الفعال، تتجه الدول نحو تطوير استراتيجيات شاملة لدعم الأفراد المصابين به. وفي هذا السياق، لا تُعد مبادرة المملكة العربية السعودية مجرد استجابة لمتطلبات حديثة، بل هي امتداد لرؤيتها الطموحة رؤية السعودية 2030، التي تركز على بناء مجتمع حيوي يتمتع فيه الجميع، بمن فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة، بفرص متساوية وحياة كريمة.
تتجسد أهمية هذه اللجنة الوزارية في قدرتها على توحيد الجهود الحكومية المتعددة التي كانت تعمل بشكل منفصل في السابق. فمن خلال التنسيق بين مختلف الوزارات والهيئات، ستتمكن اللجنة من ضمان تقديم خدمات التوحد بطريقة متكاملة وشاملة، تغطي كافة جوانب حياة الفرد من التشخيص المبكر وحتى الاندماج الكامل في المجتمع. هذا التوجه يسهم في تخفيف الأعباء المادية والنفسية الهائلة التي تتحملها الأسر، ويوفر بيئة داعمة تمكن الأفراد من تحقيق أقصى إمكاناتهم.
لطالما قدمت الدولة خدمات كبيرة ومتنوعة لمرضى طيف التوحد وأسرهم. وتشمل هذه الخدمات جوانب حيوية مثل التشخيص الدقيق، والتعليم المتخصص الذي يلبي الاحتياجات الفردية، وبرامج التأهيل المتقدمة التي تهدف إلى تطوير المهارات الحياتية والاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، تولي المملكة اهتماماً خاصاً بتوفير فرص التوظيف المناسبة التي تتلاءم مع قدرات ومواهب الأفراد، فضلاً عن تقديم الإعانات المالية التي تخفف من الأعباء الاقتصادية على الأسر. هذه المهام الإنسانية لا تقتصر على الدعم المادي فحسب، بل تمضي قدماً نحو دمج المرضى في مجتمعهم بشكل فعال، ومنع أي شكل من أشكال التمييز في كافة جوانب الحياة والمجتمع.
إن قرار مجلس الوزراء هذا يؤكد على التزام المملكة الراسخ بحقوق الإنسان، ويضعها في مصاف الدول الرائدة إقليمياً وعالمياً في مجال رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة. محلياً، سيؤدي هذا القرار إلى تحسين نوعية حياة الآلاف من الأفراد والأسر، مما يعزز من تماسك المجتمع وقدرته على الاستفادة من طاقات جميع أبنائه. إقليمياً ودولياً، يعكس هذا التوجه صورة المملكة كدولة تسعى جاهدة لتحقيق العدالة الاجتماعية والشمولية، ويمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به للدول الأخرى في المنطقة لتطوير برامجها وخدماتها الموجهة لذوي طيف التوحد.
لقد عكفت الدولة على وضع كل الآليات وتذليل كل السُّبل التي تخفف الأعباء المادية والنفسية على المرضى وأسرهم، ووضع البرامج التي تحدد كيفية التعامل الأمثل مع المصابين بالتوحد. ومع تشكيل هذه اللجنة الوزارية، تتطلع المملكة إلى مستقبل أكثر إشراقاً، حيث يجد كل فرد من ذوي طيف التوحد الدعم الكامل والفرص المتكافئة ليساهم بفاعلية في بناء وطنه وتحقيق ذاته، مؤكدة بذلك أن الإنسان في المملكة العربية السعودية أولاً، دائماً وأبداً.


