غيب الموت رفعت الأسد، عم الرئيس السوري السابق بشار الأسد وشقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد، عن عمر يناهز التسعين عاماً، بحسب ما أفادت مصادر لوكالة “رويترز” يوم الأربعاء. يأتي هذا الخبر ليختتم فصلاً طويلاً ومثيراً للجدل في تاريخ سوريا الحديث، حيث كان رفعت الأسد شخصية محورية في صعود عائلة الأسد إلى السلطة وفي الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد.
تأكد نبأ الوفاة بعد أن نشر سوار الأسد، نجل رفعت، صورة سوداء عبر حسابه الشخصي على وسائل التواصل الاجتماعي، واستبدل صورته الشخصية بأخرى تجمعه مع والده. سرعان ما بدأت التعازي تنهال عليه من الأصدقاء والمتابعين، مما عزز المؤشرات على صحة النبأ ضمن دائرة العائلة المقربة.
السياق التاريخي وصعود الأسد:
لعب رفعت الأسد دوراً حاسماً في انقلاب عام 1970 الذي أوصل شقيقه حافظ الأسد إلى سدة الحكم في سوريا. كان رفعت قائداً للقوات الخاصة المعروفة باسم “سرايا الدفاع”، والتي كانت بمثابة العمود الفقري للنظام الجديد، ومسؤولة عن حماية السلطة وتثبيت أركانها. هذه القوات، التي كانت تتمتع بتسليح وتدريب عاليين، منحت حافظ الأسد القدرة على قمع أي معارضة داخلية، مما مكنه من بناء دولة مركزية قوية تعتمد بشكل كبير على الولاءات العائلية والطائفية.
مجزرة حماة 1982: نقطة سوداء في التاريخ:
ارتبط اسم رفعت الأسد ارتباطاً وثيقاً بواحدة من أظلم الفصول في تاريخ سوريا الحديث: مجزرة حماة عام 1982. قادت قواته الخاصة حملة عسكرية وحشية لسحق انتفاضة قادتها جماعة الإخوان المسلمين في مدينة حماة. تشير التقديرات الأولية إلى مقتل أكثر من 10 آلاف شخص، بينما ذكرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” (منظمة مستقلة) في عام 2022 أن عدد المدنيين الذين قتلوا في حماة تراوح بين 30 و40 ألفاً. هذه المجزرة تركت ندوباً عميقة في الذاكرة السورية وأصبحت رمزاً للقمع الوحشي الذي مارسه النظام ضد معارضيه.
الصراع على السلطة والمنفى:
بعد سنوات من النفوذ الكبير، بدأ التوتر يتصاعد بين الشقيقين. في عام 1984، حاول رفعت الأسد تحدي شقيقه حافظ على السلطة في محاولة انقلاب فاشلة. أدت هذه المحاولة إلى إبعاده عن المشهد السياسي السوري وإجباره على مغادرة البلاد. أمضى رفعت الأسد 37 عاماً في المنفى، متنقلاً بين سويسرا وإسبانيا وفرنسا، حيث عاش حياة مترفة بعيداً عن الأضواء السياسية المباشرة في دمشق، لكنه لم يتوقف عن التعبير عن طموحاته السياسية بين الحين والآخر.
الملاحقات القضائية الدولية:
لم تكن حياة رفعت الأسد في المنفى هادئة تماماً. واجه اتهامات خطيرة في أوروبا تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة فيما يتصل بدوره في قمع انتفاضة حماة عام 1982. أحال مكتب المدعي العام السويسري رفعت الأسد إلى المحاكمة بتهم القتل والتعذيب في حماة، مستنداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية التي تسمح بمحاكمة مرتكبي مثل هذه الجرائم بغض النظر عن مكان ارتكابها. ورغم نفيه المستمر لهذه التهم، إلا أن هذه الملاحقات القضائية سلطت الضوء مجدداً على ماضيه الدموي.
بالإضافة إلى ذلك، أدانته محكمة فرنسية في عام 2020 بشراء عقارات بملايين اليورو باستخدام أموال يُعتقد أنها حُولت بشكل غير مشروع من الدولة السورية، في قضية تتعلق بغسل الأموال واختلاس أموال عامة. وفي عام 2021، عاد رفعت الأسد إلى سوريا، في خطوة فُسرت على أنها محاولة للهروب من حكم قضائي فرنسي بالسجن لمدة أربع سنوات.
الأهمية والتأثير:
يمثل رحيل رفعت الأسد نهاية حقبة لشخصية كانت جزءاً لا يتجزأ من تأسيس وتوطيد حكم عائلة الأسد في سوريا. على الرغم من أنه كان بعيداً عن السلطة الفعلية لعقود، إلا أن اسمه ظل يثير الجدل ويستحضر ذكريات مؤلمة للكثير من السوريين. وفاته، في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها سوريا، قد لا تحمل تأثيراً سياسياً مباشراً كبيراً على المشهد الحالي، لكنها ترمز إلى إغلاق فصل من فصول التاريخ السوري الذي شهد صراعات دموية وتغيرات جذرية. إنها تذكرة بالماضي المعقد للبلاد وبالتحديات المستمرة التي تواجهها في سعيها نحو مستقبل أفضل.


