spot_img

ذات صلة

لاغارد: تشرذم جيوسياسي ورسوم جمركية تهدد الاقتصاد العالمي

لاغارد تحذر: العالم يواجه تشرذماً جيوسياسياً غير مسبوق وتصاعداً في الرسوم الجمركية

أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن المشهد العالمي يشهد حالياً تشرذماً جيوسياسياً متزايداً، يترافق مع ارتفاع غير مسبوق في الرسوم الجمركية وقيود الصادرات والواردات. هذه التطورات، التي وصفتها لاغارد بأنها غير مسبوقة، تشكل تحدياً كبيراً للاقتصاد العالمي وتستدعي مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية والتجارية.

سياق عالمي مضطرب وتحديات اقتصادية

جاءت تصريحات لاغارد خلال جلسة نقاشية بعنوان «ديجا فو التاريخ:» ضمن أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، الذي يُعد منصة رئيسية لقادة العالم لمناقشة أبرز التحديات والفرص. تعكس هذه التحذيرات قلقاً متزايداً بين صناع القرار الاقتصادي حول العالم بشأن التراجع عن عقود من العولمة والاندماج الاقتصادي. ففي السنوات الأخيرة، شهدنا تصاعداً في النزعات الحمائية، وحروباً تجارية بين القوى الكبرى، واضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، مدفوعة بعوامل جيوسياسية مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، والحرب في أوكرانيا، وتداعيات جائحة كوفيد-19. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى إعادة تقييم شاملة للعلاقات التجارية الدولية، مع سعي الدول لتعزيز أمنها الاقتصادي وتقليل الاعتماد على سلاسل إمداد عالمية قد تكون عرضة للخطر.

وأشارت لاغارد إلى أن العالم يعيش حالياً في مرحلة تسارع رقمنة الاقتصادات، مع تركيز متزايد على الذكاء الاصطناعي. وتساءلت: «هل نعيش عشرينيات القرن الماضي من جديد؟، والاختراقات التكنولوجية والأداء القوي لسوق الأسهم في 1920 تتكرر الآن؟». هذا التساؤل يعكس المفارقة بين التقدم التكنولوجي الهائل الذي يمكن أن يدفع النمو الاقتصادي، وبين التحديات الجيوسياسية التي تهدد بتقويض هذا التقدم. وأوضحت أن تحقيق المكاسب الكاملة من تطوير الذكاء الاصطناعي يتطلب تعاوناً دولياً واسع النطاق وقبول نماذج ورؤى مختلفة للعالم، وهو ما يتعارض مع التشرذم الحالي.

تأثير التشرذم على الاقتصاد العالمي وأوروبا

إن زيادة الرسوم الجمركية وقيود التجارة لا تؤثر فقط على تدفق السلع والخدمات، بل يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وزيادة أسعار المستهلكين، وتقليل الكفاءة الاقتصادية. على المدى الطويل، قد تعيق هذه الإجراءات الابتكار وتحد من النمو الاقتصادي العالمي. كما أن التشرذم الجيوسياسي يهدد بتقويض الجهود المشتركة لمواجهة التحديات العالمية الملحة مثل تغير المناخ والأوبئة، حيث تتطلب هذه القضايا تعاوناً دولياً لا يمكن تحقيقه في ظل بيئة من الانقسام والتوتر.

مراجعة جذرية للاقتصاد الأوروبي

وفي هذا السياق، أكدت لاغارد أن الاقتصاد الأوروبي يحتاج إلى مراجعة جذرية لمواجهة ما وصفته بـ «فجر نظام دولي جديد». وشددت على أن القارة ستكون أكثر قوة ومرونة إذا ما أزالت الحواجز التجارية غير الجمركية بين الدول الأعضاء. هذه الدعوة تعكس الحاجة الملحة لتعزيز التكامل الاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي لمواجهة الضغوط الخارجية. ففي عالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية، يصبح السوق الأوروبي الموحد ركيزة أساسية لضمان الازدهار والاستقرار للقارة.

وفيما يتعلق بالمخاوف بشأن الأثر التضخمي للرسوم الجمركية الأمريكية المرتقبة، قللت لاغارد من شأنها في مقابلة مع إذاعة «آر تي إل» الفرنسية، متوقعة تأثيراً طفيفاً بفضل نجاح البنك المركزي الأوروبي في السيطرة على التضخم عند مستوى 1.9%. ومع ذلك، أشارت إلى أن ألمانيا، باعتبارها قوة تصديرية كبرى، ستكون أكثر عرضة للتأثر بهذه الرسوم مقارنة بفرنسا. هذا التباين في التأثر يسلط الضوء على التحديات التي تواجهها الدول الأوروبية بشكل فردي، ويؤكد على أهمية الاستجابة الموحدة لضمان استقرار المنطقة بأكملها في ظل هذه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى.

spot_imgspot_img