في تطور متسارع يهدد استقرار المشهد السوري الهش، حذرت دمشق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من أن عمليات الاعتقال التعسفية التي تنفذها في محافظة الحسكة تعرض اتفاق وقف إطلاق النار الأخير للخطر. جاء هذا التحذير بعد أقل من 24 ساعة على سريان الاتفاق، مما يسلط الضوء على عمق التوترات القائمة بين الأطراف المتصارعة في البلاد.
ونقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، تصريحات شديدة اللهجة اليوم (الأربعاء)، أكد فيها أن «قسد» بدأت بعمليات اعتقال تعسفية في الحسكة بعد أقل من يوم على بدء سريان وقف إطلاق النار. وأشار أبو قصرة إلى أن هذه الاعتقالات، التي طالت العشرات من أهالي المحافظة، تهدد بتقويض الاتفاق بشكل كامل، داعياً «قسد» إلى وقفها فوراً وإطلاق سراح جميع المعتقلين.
خلفية الصراع والتوترات المتصاعدة:
يأتي هذا التحذير في سياق حرب أهلية معقدة تشهدها سوريا منذ عام 2011، حيث تتنافس قوى إقليمية ودولية على النفوذ. قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة بشكل رئيسي من الولايات المتحدة، تسيطر على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا، بما في ذلك الحسكة، بعد أن لعبت دوراً محورياً في دحر تنظيم داعش الإرهابي. في المقابل، يسعى النظام السوري، بدعم من روسيا وإيران، إلى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية. لطالما شهدت مناطق التماس بين الطرفين اشتباكات متقطعة وتوترات، مما يجعل أي اتفاق لوقف إطلاق النار هشاً ومعرضاً للانتهاك في أي لحظة. هذه التوترات ليست جديدة، فالمناطق الشرقية والشمالية الشرقية من سوريا، الغنية بالنفط والزراعة، تمثل نقطة استراتيجية حيوية لكلا الطرفين، وتتداخل فيها مصالح متعددة ومعقدة.
اتهامات سابقة بزرع الألغام:
لم تقتصر الاتهامات الموجهة لقوات «قسد» على الاعتقالات التعسفية. ففي وقت سابق، اتهم الجيش السوري القوات الكردية بزرع ألغام وعبوات ناسفة في محافظات الرقة ودير الزور وشرق حلب، وهي مناطق شهدت معارك عنيفة ضد تنظيم داعش وانسحابات متكررة للقوات. وأعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري عن مقتل عدد من المدنيين والعسكريين نتيجة هذه الألغام التي زرعتها «قسد» وتنظيم «بي كيه كيه» (حزب العمال الكردستاني) في تلك المناطق.
تحذيرات للسكان المدنيين:
وفي سياق متصل، طالبت هيئة العمليات السكان المدنيين بتوخي أقصى درجات الحذر وعدم الدخول إلى مواقع قوات «قسد» أو أنفاقها، محذرة من أن القوات الكردية «فخخت الأبواب والممرات والأنفاق ووضعت عبوات على أشكال صخور وطوب بناء، وعمدت إلى تشريك الأثاث المنزلي والسيارات بمعظم مواقعهم السابقة إضافة للبيوت التي كانوا يتمركزون فيها وقرب الطرق العامة». وكشفت الهيئة عن أن «تفخيخ «قسد» طال المساجد أيضاً»، مشيرة إلى سقوط ضحايا من المدنيين والعسكريين. ودعت الأهالي إلى الإبلاغ الفوري عن أي جسم مشبوه أو أثاث بغير مكانه والتواصل مع الوحدات العسكرية والأمنية المنتشرة لضمان سلامتهم.
تداعيات محتملة على الاستقرار الإقليمي والدولي:
إن استمرار هذه التوترات وخرق اتفاقيات وقف إطلاق النار يحمل تداعيات خطيرة تتجاوز الحدود المحلية. على الصعيد المحلي، تهدد الاعتقالات وزرع الألغام حياة المدنيين وتعيق عودتهم الآمنة إلى ديارهم، مما يزيد من معاناة السكان ويدفع بمزيد من موجات النزوح. إقليمياً، يمكن أن يؤدي التصعيد بين دمشق و«قسد» إلى تدخلات أوسع من القوى الإقليمية الفاعلة، مثل تركيا التي تعتبر «قسد» امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتشن عمليات عسكرية ضدها، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني. دولياً، يهدد هذا التصعيد جهود مكافحة الإرهاب ويقوض أي آمال في التوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة السورية، مما يعكس هشاشة الوضع ويؤكد الحاجة الملحة لجهود دبلوماسية مكثفة لتهدئة الأوضاع وتثبيت وقف إطلاق النار.


