تعهد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي اليوم (الخميس) بإغلاق جميع السجون غير القانونية، مؤكداً أن الحكومة ماضية في ذلك. هذا التعهد يأتي في سياق جهود مكثفة لتعزيز سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان في المناطق المحررة، ويمثل خطوة حاسمة نحو استعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
لطالما كانت قضية السجون غير القانونية والانتهاكات المرتبطة بها نقطة سوداء في سجل الصراع اليمني الممتد منذ سنوات. فمع تفكك مؤسسات الدولة بعد انقلاب الحوثيين في عام 2014، وتعدد الفاعلين على الأرض، ظهرت العديد من مراكز الاحتجاز التي تعمل خارج إطار القانون، حيث وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية حالات تعذيب وإخفاء قسري واعتقالات تعسفية، مما فاقم من معاناة الشعب اليمني وزعزع استقرار المجتمع. إن إعلان العليمي يمثل اعترافاً صريحاً بهذه المشكلة وتصميماً على معالجتها من جذورها، وهو ما يتسق مع تطلعات المجتمع الدولي نحو يمن يحترم حقوق الإنسان.
وأعلن العليمي خلال لقائه سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، تكليف اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، كآلية مستقلة مدعومة من المجتمع الدولي، بالنزول الميداني للقيام بمهامها على أكمل وجه. هذه اللجنة، التي تحظى بدعم دولي، ستكون أداة أساسية لضمان الشفافية والمساءلة، وخطوة مهمة نحو تحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، مما يعزز مبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون.
تقدم ملموس في توحيد القرار الأمني وتحسين الخدمات
وقال رئيس مجلس القيادة الرئاسي «إن مؤسسات الدولة تحقق تقدماً ملموساً في توحيد القرار الأمني والعسكري، وتحسين الخدمات الأساسية في المحافظات المحررة، بدعم سخي من المملكة العربية السعودية». وأضاف أن «الدولة شرعت في إجراءات جادة لتوحيد القرار الأمني والعسكري، شملت إخراج القوات والتشكيلات المسلحة من العاصمة المؤقتة عدن، وعواصم المحافظات، وهي خطوة تعثرت لسنوات حتى بعد توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019». هذه الخطوات تهدف إلى إنهاء حالة الفوضى الأمنية وتعدد الولاءات التي استغلتها الجماعات الإرهابية، مما يمهد الطريق لبناء جيش وطني موحد تحت قيادة واحدة، وهو أمر حيوي لاستقرار اليمن ومكافحة التهديدات الأمنية.
وأشار إلى التحسن السريع للخدمات في المحافظات المحررة، لا سيما الكهرباء والمياه في العاصمة المؤقتة عدن، وارتفع التوليد من ساعتين يومياً إلى نحو 14 ساعة، فضلاً عن التزام كافة المؤسسات بالتوريد إلى حساب الحكومة في البنك المركزي، كدليل قاطع على أن استقرار مؤسسات الدولة تنعكس مباشرة على حياة المواطنين. هذه التحسينات الملموسة في الخدمات الأساسية لا تساهم فقط في تخفيف المعاناة اليومية للمواطنين، بل تعزز أيضاً شرعية الحكومة وتظهر قدرتها على إدارة شؤون البلاد، مما يبني جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.
وأشاد العليمي بموقف السعودية وإتمامها صرف رواتب جميع التشكيلات العسكرية التي كانت ممولة سابقاً من أبوظبي، إلى جانب تعزيز الموازنة العامة برواتب موظفي القطاع العام، وتدشين مشاريع خدمية وتنموية في عدة محافظات بتكلفة تقارب ملياري ريال سعودي. الدعم السعودي المستمر يعتبر ركيزة أساسية لاستقرار الحكومة الشرعية في اليمن، ويساهم بشكل مباشر في تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها، سواء على الصعيد الأمني أو الخدمي أو التنموي، مما يعكس التزام المملكة بدعم استقرار اليمن ووحدته.
حوار جنوبي شامل وتأثيره على المشهد اليمني
وفيما يتعلق بالحوار الجنوبي، قال العليمي: «التحضيرات جارية لانعقاد الحوار الجنوبي – الجنوبي برعاية كريمة من المملكة، وبمشاركة مختلف المكونات الجنوبية، دون إقصاء أو تهميش». وأضاف: «أن ملء الشواغر في مجلس القيادة الرئاسي، وتعيين رئيس جديد للحكومة، ومحافظ جديد لعدن، يعكس سلاسة اتخاذ القرار وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة على أساس الدستور وإعلان نقل السلطة والقواعد المنظمة لأعمال المجلس وهيئاته المساندة، بعد سنوات من التعطيل والانقسام». هذا الحوار يهدف إلى توحيد الصف الجنوبي وحل الخلافات الداخلية، وهو أمر بالغ الأهمية لتعزيز الجبهة المناهضة للحوثيين، وضمان تمثيل عادل لجميع الأطراف في أي تسوية سياسية مستقبلية، مما يسهم في تحقيق استقرار شامل في البلاد.
ولفت إلى أن هذه الخطوات ليست وعوداً بل وقائع على الأرض، مؤكداً أن المحافظات المحررة ستتحول إلى ورشة عمل، وقاعدة انطلاق، لتحقيق تطلعات الشعب اليمني، والأهداف المشتركة مع المجتمع الدولي، في هزيمة الانقلاب الحوثي، ومكافحة الإرهاب، وتأمين الممرات المائية. إن استقرار المناطق المحررة وتنميتها يمثل نموذجاً لما يمكن تحقيقه في اليمن بعد استعادة الدولة، ويوفر قاعدة صلبة للانطلاق نحو استكمال تحرير باقي الأراضي اليمنية وإعادة بناء ما دمره الصراع.
وأبدى رئيس مجلس القيادة الرئاسي استغرابه من ردة الفعل الإماراتية تجاه جهود الحكومة في تطبيع الوضع في عدن والمحافظات الشرقية، وترويجها بأن إنهاء التواجد الإماراتي، سيفتح المجال واسعاً أمام تصاعد الإرهاب. هذا التباين في الرؤى يعكس تعقيدات المشهد اليمني وتعدد المصالح الإقليمية، لكن تأكيد العليمي على سيادة القرار الوطني يظل محورياً.
مكافحة الإرهاب بقرار سيادي واحد
وقال العليمي: «إن التجربة أثبتت أن ازدواجية القرار الأمني وتعدد الولاءات والسجون غير القانونية، لا تقضي على الإرهاب، بل تعيد إنتاجه، لذلك فان الدولة تعمل على نقل المواجهة حالياً من إدارة الخطر إلى معالجة جذوره، عبر قرار سيادي واحد». هذا التصريح يؤكد على أهمية توحيد الجهود الأمنية تحت مظلة الدولة الشرعية لمواجهة التحديات الأمنية، بما في ذلك مكافحة الجماعات الإرهابية مثل القاعدة في جزيرة العرب وداعش، التي تستغل الفراغ الأمني وتعدد مراكز القوى. إن وجود سجون غير قانونية وتعدد الولاءات يضعف من قدرة الدولة على فرض سيطرتها ويوفر بيئة خصبة لنمو التطرف.
وأشار العليمي إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تم الكشف عنها بعد إنهاء وجود حكومة أبوظبي، لتشمل التعذيب والإخفاء القسري، في معتقلات غير قانونية، مؤكداً أن مثل هذه الممارسات لا تحارب التطرف بل تغذيه. هذه الانتهاكات لا تقوض فقط كرامة الإنسان، بل تدفع باليائسين نحو التطرف، مما يجعل معالجتها ضرورة أمنية وإنسانية قصوى.
ولفت إلى أن جذور المعاناة والدمار الذي يضرب أنحاء البلاد، تعود إلى الانقلاب الحوثي، داعياً المجتمع الدولي إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى الإسهام في حلها، من خلال دعم الحكومة الشرعية لبسط نفوذها على كامل أراضيها، وضمان عدم الإفلات من العقاب. إن تحقيق السلام الشامل في اليمن يتطلب تضافر الجهود الدولية لدعم الشرعية، وإنهاء الانقلاب، والعمل على بناء دولة يمنية موحدة ومستقرة تحترم حقوق جميع مواطنيها.


