المملكة العربية السعودية ترسخ مكانتها كقوة رائدة في القطاع الصحي العربي، محققةً إنجازاً بارزاً بفوزها بعدد كبير من الجوائز المرموقة في مجالي الطب والتمريض. هذا التكريم جاء خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس وزراء الصحة العرب، التي استضافتها مدينة طرابلس الليبية في ديسمبر الماضي، ليؤكد على التقدم الهائل الذي تشهده المنظومة الصحية السعودية والتزامها بالابتكار والتميز.
إن هذا الإنجاز ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة جهود حثيثة واستثمارات ضخمة ضمن برنامج تحول القطاع الصحي، أحد الركائز الأساسية لرؤية المملكة 2030 الطموحة. تهدف الرؤية إلى بناء نظام صحي شامل ومتكامل، يرتكز على أحدث التقنيات وأفضل الممارسات العالمية، مع التركيز على تعزيز جودة الرعاية الصحية، وتحسين الوصول إليها، وتطوير الكفاءات الوطنية. لطالما كان مجلس وزراء الصحة العرب منصة حيوية لتعزيز التعاون الصحي الإقليمي وتبادل الخبرات، وتأتي مشاركة المملكة وفوزها بهذه الجوائز لتؤكد دورها المحوري في قيادة هذا التطور على مستوى المنطقة. تاريخياً، سعت المملكة باستمرار إلى تطوير بنيتها التحتية الصحية، من المستشفيات المتخصصة إلى مراكز الأبحاث المتقدمة، إيماناً منها بأن صحة المواطن هي أساس التنمية والازدهار.
تجلى التميز السعودي في عدة مجالات. فقد حصد الدكتور أحمد بن سالم باهمام، مدير مركز الأمير نايف للأبحاث الصحية، جائزة التفوق في البحث العلمي والابتكار، تقديراً لإسهاماته البحثية النوعية التي تدفع حدود المعرفة الطبية. كما نال الدكتور زهير بن يوسف الهليس، كبير استشاري جراحة القلب في مستشفى الملك فيصل التخصصي، جائزة التميّز والريادة والأثر المهني الطبي، نظير دوره البارز في تطوير جراحة القلب على المستوى العربي، مما يعكس الخبرة العميقة والمهارة الفائقة التي يتمتع بها الكادر الطبي السعودي. ولم يقتصر التميز على الأفراد، بل امتد ليشمل الفرق المبتكرة. فقد فاز الفريق السعودي المكون من منال سعيد بانصر، إيمان محمد الشمري، عبدالرحمن عبدالله أبو خضاعة، جوهرة فهد الحربي، وريم محمد الحميدان، بالجائزة الأولى في الممارسة السريرية عن مشروع INS Model. هذا النموذج المبتكر يهدف إلى رفع القدرة الاستيعابية لأقسام العناية الحرجة خلال الكوارث، وقد طُوّر خلال جائحة كورونا لتعزيز جاهزية الكوادر التمريضية والمنظومة الصحية بأكملها، مما يبرز قدرة المملكة على الاستجابة للتحديات الصحية العالمية بفاعلية.
وفي مجال التمريض والقبالة، حصلت الدكتورة بدرية عوض الشهري، الرئيس التنفيذي للتمريض بمدينة الملك سعود الطبية، مناصفةً مع مصر، على جائزة «العمل المميز في مهنتي التمريض والقبالة» عن مشروع الناتاثون. يهدف هذا المشروع الطموح إلى تطوير التعليم والتدريب التمريضي ورفع جودة مخرجات التعليم الصحي، مما يضمن إعداد جيل جديد من الممرضين والممرضات ذوي الكفاءة العالية. هذه الجوائز لا تمثل مجرد تكريم فردي أو جماعي، بل هي شهادة على المكانة المتنامية للكوادر الصحية السعودية وقدرتها على المنافسة بقوة على الساحة العربية والدولية. محلياً، تعزز هذه الإنجازات الثقة في النظام الصحي الوطني وتشجع على المزيد من الابتكار والتميز، مما ينعكس إيجاباً على جودة الرعاية المقدمة للمواطنين والمقيمين. إقليمياً، ترسخ المملكة دورها كمركز إشعاع للخبرة والمعرفة الصحية، وتساهم في رفع مستوى الخدمات الصحية في المنطقة ككل من خلال تبادل أفضل الممارسات. دولياً، تضع هذه الإنجازات المملكة في مصاف الدول الرائدة في تطوير القطاع الصحي، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون والشراكات العالمية في مجالات البحث والتطوير الطبي. إن بناء منظومة صحية أكثر استعداداً واستدامة لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة، وتؤكد هذه الجوائز أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، مساهمةً في بناء مستقبل صحي أفضل للجميع.


