كشفت وكالة الأناضول التركية، في تقرير أولي صادم، تفاصيل دقيقة حول حادثة تحطم الطائرة العسكرية التي كانت تقل رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش الليبي، الفريق أول محمد الحداد، وعددًا من كبار الضباط. هذه الكارثة، التي وقعت في 23 ديسمبر 2025، أودت بحياة جميع من كانوا على متنها، لتلقي بظلالها على المشهد الليبي والتركي، وتفتح الباب أمام تحقيقات مكثفة لكشف ملابساتها.
وأوضحت الوكالة، نقلًا عن مصادر مطلعة على التحقيقات الجارية، أن الطائرة ارتطمت بتضاريس جبلية وعرة وهي بكامل طاقتها الحركية، ما يشير إلى عنف الاصطدام الذي لم يترك مجالًا لنجاة أي من الركاب أو الطاقم. هذا الارتطام العنيف، الذي حدث بينما كانت محركات الطائرة لا تزال تعمل وتدور بكامل طاقتها، تسبب في انفجار هائل لحظة الاصطدام، ما أدى إلى تناثر الحطام والشظايا على مساحة جغرافية واسعة قُدّرت بنحو 150 ألف متر مربع، وهو ما يعكس حجم الدمار الذي لحق بالطائرة.
من جانبها، لم تسجل التحقيقات الأولية أي مؤشرات تدل على حدوث عطل فني مفاجئ قبل السقوط، وهو ما يزيد من غموض الحادثة. وتبرز مفارقة لافتة للنظر، حيث كانت الطائرة قد خضعت لأعمال صيانة دورية شاملة من قبل الشركة المشغلة خلال الفترة ما بين 1 و9 ديسمبر 2025، وحصلت على «شهادة إنجاز الصيانة» قبل أيام قليلة فقط من وقوع الكارثة. هذه المعلومة تضع المزيد من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التحطم المأساوي.
التحقيقات مستمرة لكشف الحقيقة
يُعد هذا التقرير الأولي جزءًا أساسيًا من ملف التحقيق الشامل الذي تواصل فيه الجهات المختصة أعمال الفحص والتحليل الفني الدقيق. الهدف هو تحديد الأسباب النهائية للحادثة، سواء كانت بشرية، فنية، أو بيئية، والوقوف على جميع الملابسات بدقة تامة. وقد أبلغ طاقم الطائرة عن عطل كهربائي بعد 16 دقيقة من الإقلاع من مطار إسنبوغا في أنقرة، وطلب هبوطًا طارئًا، قبل أن يفقد الاتصال مع برج المراقبة ويختفي من الرادار، وهي التفاصيل التي تُعد محورية في مسار التحقيق.
تواصل لجان التحقيق التركية والليبية، بدعم فني من جهات دولية متخصصة في حوادث الطيران، فحص حطام الطائرة وتحليل بيانات أجهزة التسجيل المعروفة بـ “الصندوق الأسود”. هذه الصناديق تحمل مفتاح فهم اللحظات الأخيرة قبل الكارثة، من خلال تسجيلات قمرة القيادة وبيانات الرحلة، والتي ستساعد في تحديد الأسباب الدقيقة للحادثة، سواء كانت فنية أو تشغيلية أو عوامل أخرى غير متوقعة.
الفريق الحداد: قائد عسكري في قلب جهود توحيد ليبيا
تكتسب هذه الحادثة أهمية مضاعفة نظرًا للمكانة الرفيعة للضحايا، وعلى رأسهم الفريق محمد علي أحمد الحداد. يُعد الحداد من أبرز القادة العسكريين في ليبيا، حيث شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة في حكومة الوحدة الوطنية. وقد لعب دورًا محوريًا في جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، التي مزقتها سنوات الصراع والانقسام بعد ثورة 2011. كما ساهم بشكل كبير في عمليات مكافحة الإرهاب، سعيًا لإرساء الأمن والاستقرار في البلاد.
تأتي هذه الزيارة الرسمية إلى تركيا، التي كانت في سياق تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين، لتؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه أنقرة في دعم حكومة الوحدة الوطنية الليبية. فمنذ توقيع اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري في عام 2019، شهدت العلاقات بين ليبيا وتركيا تطورًا ملحوظًا، خاصة في مجالات التدريب العسكري والدعم اللوجستي، بهدف بناء جيش ليبي موحد وقوي قادر على حماية سيادة البلاد ومكافحة التهديدات المختلفة.
تأثير الكارثة على المشهد الليبي والإقليمي
إن فقدان شخصية بحجم الفريق الحداد يمثل ضربة كبيرة لجهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، التي لا تزال تواجه تحديات جمة. ففي ظل الانقسامات السياسية والعسكرية المستمرة، كان الحداد يمثل رمزًا للوحدة والاستقرار، وكان له دور فعال في بناء جسور الثقة بين مختلف الفصائل. هذا الحادث المأساوي قد يؤثر على مسار هذه الجهود، ويتطلب من القيادة الليبية سرعة التحرك لضمان استمرارية العمل العسكري والأمني.
على الصعيد الإقليمي والدولي، تزيد هذه الحادثة من حساسية الوضع في ليبيا، التي تُعد نقطة محورية في استقرار منطقة شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. لذا، فإن الشفافية التامة في التحقيقات وتقديم نتائج موثوقة أمر بالغ الأهمية لتجنب أي تكهنات أو شائعات قد تزيد من تعقيد المشهد. إن التعاون الدولي في هذا التحقيق يؤكد على أهمية ضمان العدالة وكشف الحقيقة، ليس فقط لأسر الضحايا، بل أيضًا للمجتمع الدولي الذي يراقب عن كثب تطورات الأوضاع في ليبيا.
مع استمرار التحقيقات، يترقب الجميع النتائج النهائية التي ستكشف الأسباب الحقيقية وراء تحطم هذه الطائرة، وتضع حدًا للغموض الذي يلف هذه الكارثة المأساوية التي أودت بحياة قادة عسكريين بارزين في لحظة حرجة من تاريخ ليبيا.


