دعا رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقية، محمد شياع السوداني، دول العالم، وخصوصًا الاتحاد الأوروبي، إلى استعادة مواطنيها من معتقلي تنظيم «داعش» الإرهابي، وذلك بعد نقلهم من سورية إلى العراق. هذه الدعوة تأتي في سياق جهود العراق المستمرة لمعالجة ملف الإرهاب وتداعياته الأمنية والإنسانية.
وشدد السوداني، خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على أهمية أن تضطلع دول العالم بمسؤولياتها تجاه هؤلاء العناصر الذين يحملون جنسياتها. وأكد على ضرورة ضمان محاكمتهم ونيلهم الجزاء العادل، بحسب بيان صادر عن مكتبه. من جانبه، أعرب الاتحاد الأوروبي، الجمعة، عن قلقه البالغ إزاء التقارير التي تتحدث عن فرار مقاتلين أجانب من تنظيم داعش كانوا محتجزين في سورية، مؤكدًا أنه يراقب عن كثب عملية نقل المعتقلين إلى العراق. وأفاد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي، أنور العنوني، بأن عمليات الفرار المحتملة الأخيرة لمعتقلي داعش وسط الاشتباكات تثير قلقًا بالغًا.
تُمثل قضية مقاتلي تنظيم داعش الأجانب تحديًا أمنيًا وإنسانيًا عالميًا منذ سقوط «دولة الخلافة» المزعومة في عام 2019. فبعد سنوات من سيطرة التنظيم الإرهابي على مساحات واسعة من العراق وسوريا، وتجنيده لآلاف المقاتلين من مختلف أنحاء العالم، باتت مسألة مصير هؤلاء المقاتلين وعائلاتهم من القضايا الأكثر تعقيدًا. انضم هؤلاء الأفراد، مدفوعين بأيديولوجيا متطرفة، إلى صفوف التنظيم، وشاركوا في أعمال عنف وحشية، مما جعل عودتهم إلى بلدانهم الأصلية محفوفة بالمخاطر الأمنية والقانونية.
لعبت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) دورًا محوريًا في محاربة داعش واحتجاز الآلاف من مقاتليه وعائلاتهم في شمال شرق سوريا، أبرزها مخيم الهول الذي تحول إلى بؤرة للتطرف والمعاناة الإنسانية. هذه المخيمات ومراكز الاحتجاز، التي تفتقر غالبًا إلى الموارد الكافية، شكلت عبئًا هائلاً على قسد، وتهديدًا مستمرًا بإعادة تنظيم صفوف المتطرفين أو فرارهم، خاصة مع تكرار الاضطرابات الأمنية في المنطقة. وقد أكدت مصادر مطلعة أن «تثبيت وقف إطلاق النار بين دمشق وقوات سورية الديمقراطية ضروري لنقل معتقلي داعش للعراق»، مشيرة إلى أن قائد القيادة المركزية الأمريكية زار سورية؛ لتثبيت وقف إطلاق النار بين القوات الحكومية وقسد.
وكشف مسؤولان أمنيان عراقيان أن الدفعة الأولى من معتقلي تنظيم داعش الذين تسلّمتهم بغداد في إطار العملية الأمريكية لنقلهم من سورية، تضم أوروبيين كانوا قادة بارزين في التنظيم المتطرف. وقال أحد المسؤولَين إن المجموعة الأولى التي تسلّمها العراق، الأربعاء، تضم قادة في تنظيم داعش، وأبشع المجرمين من جنسيات مختلفة أوروبية وآسيوية وعربية. ولفت إلى أن المجموعة تضم 85 عراقيًا و65 أجنبيًا بينهم أوروبيون وسودانيون وصوماليون وأشخاص من دول القوقاز، جميعهم شاركوا في عمليات داعش في العراق، وجميعهم على مستوى أمراء التنظيم.
وكان مسؤولون عراقيون قد أعلنوا، أمس الخميس، أن قرار نقل سجناء تنظيم داعش من شمال شرق سورية إلى مراكز احتجاز في العراق جاء بعد طلب تقدم به مسؤولون في بغداد، وحظي بترحيب من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والحكومة السورية. وتحدث مسؤولون أمريكيون وعراقيون عن الطلب العراقي، بعد يوم من إعلان الجيش الأمريكي بدء نقل نحو 9,000 معتقل من تنظيم داعش في أكثر من 12 مركز احتجاز في شمال شرق سورية تتحكم بها قوات قسد. وبدأ نقل المعتقلين بعد أن سيطرت قوات الحكومة السورية على مخيم الهول مترامي الأطراف، الذي يضم آلاف الأشخاص معظمهم من النساء والأطفال، من قوات قسد التي انسحبت في إطار وقف لإطلاق النار.
يأتي القرار العراقي باستقبال هؤلاء المعتقلين، والذي وصفه مسؤولون بأنه يخدم المصلحة الأمنية للعراق، في سياق استراتيجية أوسع لمنع عودة الإرهاب. فاحتجاز هؤلاء الأفراد ومحاكمتهم داخل العراق، حيث ارتكب العديد منهم جرائمهم، يضمن تطبيق العدالة ويقلل من خطر عودتهم إلى ساحات القتال أو تشكيل خلايا نائمة. كما أنه يخفف الضغط على الحدود العراقية السورية ويساهم في استقرار المناطق المحررة.
على الصعيد الإقليمي، يساهم هذا النقل في تخفيف العبء عن سوريا وقوات قسد، ويقلل من التوترات الأمنية في شمال شرق البلاد. كما أن تثبيت وقف إطلاق النار بين دمشق وقسد، والذي زار قائد القيادة المركزية الأمريكية سوريا لتأكيده، يعد خطوة حاسمة لضمان سلاسة عملية النقل ومنع أي فوضى قد يستغلها التنظيم الإرهابي. ويُعد التعامل مع ملف المعتقلين خطوة نحو معالجة الأزمة الإنسانية في المخيمات، وإن كانت جزئية.
أما على المستوى الدولي، فإن دعوة العراق لأوروبا لاستعادة مواطنيها تسلط الضوء على مسؤولية الدول الأصلية تجاه مواطنيها المتورطين في الإرهاب. تواجه الدول الأوروبية معضلة معقدة؛ فمن جهة، هناك مخاوف أمنية من عودة هؤلاء الأفراد المتطرفين إلى أراضيها، وصعوبات في جمع الأدلة الكافية لمحاكمتهم. ومن جهة أخرى، هناك التزامات قانونية وأخلاقية تجاه مواطنيها، وضرورة منع تحولهم إلى قنابل موقوتة في مناطق الصراع. إن استعادتهم ومحاكمتهم أو إعادة تأهيلهم، حيثما أمكن، هو جزء من استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب ومنع انتشاره.
تؤكد هذه التطورات على أن مكافحة الإرهاب تتطلب تعاونًا دوليًا مستمرًا وتنسيقًا أمنيًا وقضائيًا فعالًا. فملف مقاتلي داعش الأجانب ليس مجرد قضية أمنية، بل هو تحدٍ قانوني وإنساني وسياسي يتطلب حلولًا شاملة ومستدامة لضمان عدم عودة شبح الإرهاب للظهور مجددًا.


