spot_img

ذات صلة

الحكومة الفرنسية تنجو من حجب الثقة: المادة 49.3 وتحديات الأغلبية

الحكومة الفرنسية تنجو من تصويتين لحجب الثقة: تحديات الأغلبية والمادة 49.3

نجت الحكومة الفرنسية، برئاسة إليزابيث بورن، من تصويتين على حجب الثقة في البرلمان، اليوم (الجمعة)، بعد لجوء رئيسة الوزراء إلى المادة 49.3 من الدستور لتمرير البنود المتعلقة بالإنفاق في الميزانية. هذا التطور يسلط الضوء مجدداً على التحديات التي تواجهها حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون في ظل غياب الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية، ويؤكد على استمرار التوتر السياسي في المشهد الفرنسي.

المادة 49.3: أداة دستورية مثيرة للجدل

تُعد المادة 49.3 من الدستور الفرنسي أداة دستورية قوية تتيح للحكومة تمرير مشروع قانون دون الحاجة إلى تصويت البرلمان، ما لم يتمكن النواب من إسقاط الحكومة عبر تصويت بحجب الثقة. إذا لم يُقدّم اقتراح بحجب الثقة خلال مهلة 24 ساعة، أو لم يحصل على أغلبية مطلقة من النواب (288 صوتاً)، يُعتبر القانون معتمداً تلقائياً. هذه المادة، التي تعود جذورها إلى الجمهورية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958، صُممت لضمان استقرار الحكومة وفعاليتها، خاصة في أوقات الأزمات أو عندما تكون الحكومة أقلية. ومع ذلك، غالباً ما تُنتقد باعتبارها أداة “غير ديمقراطية” تلتف على النقاش البرلماني، وتثير غضب المعارضة التي تراها تقويضاً لدور البرلمان.

خلفية سياسية معقدة

يأتي لجوء الحكومة المتكرر للمادة 49.3 في سياق سياسي معقد، حيث فقدت كتلة الرئيس ماكرون وحلفاؤه الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية بعد الانتخابات التشريعية لعام 2022. هذا الوضع يجبر الحكومة على البحث عن دعم من أحزاب أخرى لتمرير تشريعاتها، وهو ما لم يتحقق في كثير من الأحيان، خاصة فيما يتعلق بقوانين الميزانية الحساسة. وقد شهدت فرنسا اضطرابات واسعة النطاق واحتجاجات شعبية كبيرة في السابق بسبب استخدام هذه المادة لتمرير إصلاحات مثيرة للجدل، مثل قانون إصلاح نظام التقاعد، مما يعكس عمق الانقسام السياسي والاجتماعي.

تفاصيل التصويتات وإنقاذ الاشتراكيين

قدّم الاقتراح الأول لحجب الثقة عن الحكومة قوى اليسار بقيادة حزب «فرنسا الأبية»، باستثناء الحزب الاشتراكي. أما الثاني فقدمه «التجمع الوطني» اليميني المتطرف. وصوّت 269 نائباً لصالح اقتراح حجب الثقة الذي قدّمته كتل «فرنسا الأبية» و«الخضر» و«الشيوعيون»، في حين كان المطلوب 288 صوتاً لإقراره. ورفضت الجمعية الوطنية اقتراح حجب الثقة الذي تقدّم به «التجمع الوطني»، إذ لم ينل سوى 142 صوتاً، أي أقل بـ146 صوتاً من الأغلبية اللازمة. وقد لعب موقف الحزب الاشتراكي دوراً حاسماً في إنقاذ الحكومة، حيث امتنع نوابه عن التصويت لصالح اقتراح اليسار، مما أثار انتقادات حادة من قبل قادة المعارضة.

من جانبها، اعتبرت رئيسة كتلة نواب «فرنسا الأبية» ماتيلد بانو أن «الاشتراكيين» أنقذوا ماكرون مرة أخرى، وقالت: “لم يكن ينقص سوى 19 صوتاً لحجب الثقة عن حكومة بورن وإسقاط خطرها”. فيما انتقدت رئيسة كتلة نواب «التجمع الوطني» مارين لوبان ما وصفته بـ «خيانة الميثاق الرسمي» الذي أبرمه رئيس الوزراء مع البرلمان، معتبرة أن ما جرى فرض سياستها بالقوة. وأضافت: “كان ينبغي أن يقودكم كل ذلك إلى الاستقالة”.

تداعيات وأهمية الحدث

إن نجاة الحكومة من تصويتي حجب الثقة، رغم أنها تضمن استمرارها في الوقت الراهن، لا تحل الأزمة السياسية الأساسية. فالحكومة الفرنسية لا تزال بحاجة إلى تجاوز البرلمان لتمرير بقية بنود الميزانية، وتواجه تحديات مستمرة في إقرار أي تشريع رئيسي في ظل غياب الأغلبية. هذا الوضع يؤثر على قدرة فرنسا على تنفيذ إصلاحات داخلية حيوية، ويضعف موقفها في المفاوضات الإقليمية والدولية. على الصعيد المحلي، قد يؤدي هذا الاستخدام المتكرر للمادة 49.3 إلى زيادة الاستقطاب السياسي وتصاعد حدة الاحتجاجات الشعبية، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي. إقليمياً ودولياً، استقرار فرنسا، كقوة اقتصادية وسياسية رئيسية في الاتحاد الأوروبي، له تداعيات على المشهد الأوروبي الأوسع، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة.

وأقرّت الجمعية الوطنية شق «إيرادات الدولة» في الموازنة، وهو أحد أبرز نقاط الخلاف، على أن ينتقل المشروع الآن إلى مجلس الشيوخ لدراسته. ويظل السؤال الأبرز هو كيف ستتمكن حكومة بورن من إدارة البلاد وتمرير أجندتها التشريعية في ظل هذا المشهد البرلماني المعقد، وهل ستستمر في الاعتماد على المادة 49.3 كحل أخير، أم ستجد سبلًا جديدة لبناء التوافق السياسي.

spot_imgspot_img