في خطوة تعكس التزام القطاع المالي بتعزيز الشفافية وحماية المستهلك، بدأت البنوك والمؤسسات المالية في المملكة العربية السعودية بإبلاغ عملائها عن تحديثات جوهرية في أسعار الرسوم المتعلقة بعدد من الخدمات المصرفية. تشمل هذه التحديثات الحسابات، البطاقات، التحويلات المالية، والمنتجات التمويلية وغيرها، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ بحد أقصى في الثاني والعشرين من شهر فبراير القادم.
تأتي هذه التغييرات استجابة لدليل تعرفة خدمات المؤسسات المالية الجديد الذي أصدره البنك المركزي السعودي (ساما)، والذي يحل محل التعرفة البنكية المعمول بها حاليًا. يُعد هذا الدليل خطوة استراتيجية ضمن جهود البنك المركزي المستمرة لتطوير القطاع المالي، بما يتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030 الرامية إلى بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي. لطالما لعبت البنوك المركزية حول العالم دورًا محوريًا في تنظيم الأسواق المالية لضمان استقرارها وحماية حقوق المتعاملين، ويأتي هذا التحديث ليؤكد على هذا الدور المحوري لـ “ساما”.
يهدف دليل تعرفة خدمات المؤسسات المالية إلى تحقيق جملة من الأهداف الطموحة. في مقدمتها، تعزيز الشمول المالي من خلال تمكين شرائح أوسع من المجتمع من الاستفادة من خدمات ومنتجات المؤسسات المالية برسوم ممكنة وعادلة. كما يسعى الدليل إلى رفع مستويات الإفصاح والشفافية في التعاملات المالية، وهو ما يسهم بشكل مباشر في تعزيز الثقة في القطاع المالي ككل. إضافة إلى ذلك، يدعم الدليل التحول الرقمي من خلال تحفيز تقديم الخدمات عبر القنوات الإلكترونية، مما يقلل من الحاجة إلى زيارة الفروع ويُسهل على العملاء إنجاز معاملاتهم بكفاءة أكبر، إلى جانب تعزيز حماية عملاء المؤسسات المالية من خلال وضع سقوف للرسوم وتوضيحها.
يتضمن الدليل الجديد تعديلًا على عدد من الرسوم، حيث اشتمل على تخفيض الحد الأقصى لرسوم مجموعة واسعة من الخدمات المالية المقدمة للعملاء الأفراد. من أبرز هذه التخفيضات الرسوم الإدارية المرتبطة بعدد من منتجات التمويل، ورسوم إعادة إصدار بطاقات مدى، والعمليات الشرائية والسحب النقدي دوليًا، إضافة إلى رسوم التحويلات المالية سواء من الحسابات البنكية أو المحافظ الإلكترونية. هذه التخفيضات تعكس التزام “ساما” بتخفيف الأعباء المالية عن كاهل المستهلكين وتشجيعهم على استخدام الخدمات المصرفية الرقمية.
وسيجري العمل بالرسوم الجديدة الواردة في الدليل خلال ٦٠ يوماً من تاريخ نشره، وهو ما يصادف بحد أقصى يوم ٢٢ فبراير القادم. ويلزم تطبيقه من قبل كافة المؤسسات المالية الخاضعة لإشراف البنك المركزي ورقابته، بما في ذلك شركات المدفوعات التي تقدم العديد من الخدمات المالية. هذا التطبيق الشامل يضمن عدالة المنافسة وتوحيد المعايير عبر القطاع.
تخفيضات ملموسة: البطاقة المفقودة بـ 10 ريالات وتمويل شخصي برسوم أقل
شهدت عدد من رسوم الخدمات في الدليل الجديد تخفيضاً ملحوظاً ومباشراً يصب في مصلحة العميل. على سبيل المثال، أصبح إصدار بطاقة مفقودة أو تالفة بتعرفة 10 ريالات فقط بحد أقصى، في حين كان العميل سابقاً ملزماً بدفع 30 ريالاً. كما أصبح مبلغ إصدار بطاقة إضافية هو 10 ريالات بحد أقصى بعد أن كان 30 ريالاً. وشملت التغييرات أيضاً رسوم العمليات الشرائية الدولية التي أصبحت تبلغ 2% من قيمة العملية، وهو ما يمثل تعديلاً يهدف إلى جعل التعاملات الدولية أكثر تنافسية. أما فيما يخص رسوم التمويل الشخصي، فقد أصبحت 0.5% من مبلغ التمويل أو 2500 ريال (أيهما أقل)، مقارنة بـ 1% من مبلغ التمويل أو 5000 ريال (أيهما أقل) سابقاً، مما يوفر وفورات كبيرة للمقترضين.
ولم تقتصر التخفيضات على هذه الخدمات فحسب، بل شمل الدليل الجديد أيضاً تخفيضاً في تعرفة الاعتراض الخاطئ على العمليات الشرائية، وإصدار دفتر شيكات إضافي، وإصدار الشيك المصرفي أو إلغائه، بالإضافة إلى إصدار أوامر الدفع المستديمة من الفرع، وإصدار وثائق إثبات المديونية، وكشوفات الحساب. هذه التخفيضات المتعددة تؤكد على التوجه نحو بيئة مصرفية أكثر يسراً وشفافية.
الأثر المتوقع: تعزيز الثقة ودفع عجلة الاقتصاد
من المتوقع أن يكون لهذه التعديلات تأثير إيجابي واسع النطاق على المستويين المحلي والإقليمي. على الصعيد المحلي، ستعزز هذه التخفيضات من ثقة العملاء في القطاع المصرفي، وتشجع على استخدام الخدمات المالية الرسمية بدلاً من البدائل غير الرسمية، مما يدعم الشمول المالي. كما أنها ستحفز البنوك على الابتكار وتقديم خدمات ذات قيمة مضافة لتعويض أي نقص محتمل في الإيرادات من الرسوم، مما يعود بالنفع على العملاء. هذه الخطوة تتماشى مع التوجهات العالمية نحو حماية المستهلكين في الخدمات المالية وتوفير بيئة تنافسية عادلة.
إقليمياً ودولياً، تضع هذه المبادرة المملكة العربية السعودية في مصاف الدول الرائدة في تنظيم القطاع المالي بما يخدم مصالح المستهلكين. يمكن أن تكون هذه المعايير الجديدة نموذجاً يحتذى به في المنطقة، مما يعكس التزام المملكة بالمعايير الدولية لأفضل الممارسات في الحوكمة المالية. في المحصلة، تساهم هذه التغييرات في خلق بيئة مالية أكثر جاذبية واستقراراً، تدعم النمو الاقتصادي وتوفر فرصاً أفضل للأفراد والشركات على حد سواء.


