من «الحبة» إلى «الفنجان».. استعرض شبان وشابات أسرار «القهوة المختصة» في ملتقى «أدب وقهوة» الذي نظمه بيت الثقافة في جازان، في فعالية تسلط الضوء على رحلة هذا المشروب العريق من بذرة البن الخضراء وحتى الكوب الدافئ.
وقدم الشبان والشابات المشاركون نماذج حيّة لفنون التحضير وأساليب التقديم المبتكرة، وتعرّف الزوّار على مدارس مختلفة في تحميص البن وطرق الاستخلاص المتعددة، إلى جانب مفاهيم الجودة والعناية بأدق التفاصيل، التي باتت تشكّل جوهر ثقافة القهوة الحديثة. هذه الفعالية تعبر عن تحوّل القهوة من مجرد مشروبٍ يومي إلى تجربةٍ معرفية وثقافية غنية، وأتاحت للزوّار فهمًا أعمق لمسار القهوة وما يرتبط بها من مهارات وتقنيات متطورة.
تُعد القهوة، هذا المشروب الساحر الذي يرافق البشرية منذ قرون، جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي العالمي، وتحديدًا في شبه الجزيرة العربية التي يُعتقد أنها مهد اكتشافها وانتشارها. فمنذ اكتشافها الأسطوري في إثيوبيا وانتقالها إلى اليمن، حيث بدأت زراعتها وتصديرها، أصبحت القهوة رمزًا للكرم والضيافة، ومحورًا للعديد من الطقوس الاجتماعية. وفي المملكة العربية السعودية، تتجاوز القهوة كونها مجرد مشروب، لتصبح جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية، تعكس عمق التاريخ وتنوع الثقافات المحلية، وتُقدم في كل مجلس كعلامة ترحيب وتقدير.
ومن بين المشاركين في هذه الفعالية المميزة، برز عدد من الشباب والفتيات الذين وجدوا في عالم القهوة مساحةً خصبة لتطوير مهاراتهم إلى جانب تخصصاتهم الأكاديمية والمهنية المختلفة. بعد تلقيهم دوراتٍ تدريبية متخصصة في فنون القهوة، يواصل هؤلاء الشباب ممارسة العمل في إعداد القهوة والمشاركة بفاعلية في الفعاليات الثقافية المتنوعة، في نموذجٍ يعكس تنامي الاهتمام بثقافة القهوة المختصة في المنطقة، ويبرز دورها في صقل المواهب الشابة.
في ظل هذا الإرث العريق والاهتمام المتزايد، يأتي التركيز على القهوة المختصة ليعكس تحولًا نوعيًا في ذائقة المستهلكين ورغبتهم في استكشاف أبعاد جديدة لهذا المشروب. إن فعاليات مثل ملتقى «أدب وقهوة» في جازان لا تقتصر على تقديم تجربة حسية فريدة، بل تمثل منصة حيوية لتمكين الشباب والشابات، وتزويدهم بالمهارات اللازمة لدخول سوق العمل المتنامي في قطاع القهوة. هذا التوجه يتماشى بوضوح مع رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص وظيفية للشباب في مختلف المجالات، بما في ذلك الصناعات الثقافية والإبداعية التي تعتمد على الموروث المحلي.
966 ألف شجرة في جازان
يمثل البُن السعودي أحد أهم المنتجات الزراعية الوطنية ذات القيمة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المتزايدة. وتُولي المملكة اهتمامًا خاصًا بالبن بوصفه رمزًا للإرث العريق وركيزة واعدة لتنمية المناطق الريفية وتوفير فرص اقتصادية مستدامة للمزارعين. وتنتشر زراعة البن في السعودية على مرتفعات جبال المناطق الجنوبية الغربية والجنوبية، بفضل طبيعة مناخها الفريدة وخصوبة تربتها البركانية، ما يمنحها جودة عالية ومذاقًا مميزًا يختلف عن غيره. كما يختلف أسلوب تحضير القهوة في مناطق المملكة، ولكل منطقة طريقة لتحضير القهوة تعكس ثقافتها المحلية. ففي المناطق الشمالية، تتميز القهوة بالحمصة الداكنة، مع إضافة الهيل ما يمنحها نكهة خاصة وعمقًا، فيما تُحضّر بالمنطقة الجنوبية مُعتمِدة على حمصة البُن الفاتحة، ويضاف إليها الزنجبيل والزعفران، والقرفة، والقرنفل لإضفاء طابع فريد. أما في الشرقية والغربية والمنطقة الوسطى، فيتم إعدادها بالحمصة المتوسطة، ويضاف إليها الهيل والزعفران، مما يخلق توازنًا في النكهة.
كما أن التركيز على البن السعودي، الذي يُزرع في مناطق مثل جازان وعسير، يمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز الاقتصاد المحلي ودعم المزارعين. فالمملكة تسعى جاهدة لزيادة إنتاج البن عالي الجودة، ليس فقط لتلبية الطلب المحلي المتزايد، بل أيضًا لفتح آفاق للتصدير، مما يعزز مكانة السعودية على الخريطة العالمية لمنتجي القهوة. هذا الاهتمام بالبن المحلي يسهم في الحفاظ على التنوع البيولوجي للمنطقة، ويقدم نموذجًا للتنمية المستدامة التي تجمع بين الحفاظ على التراث وتحقيق الازدهار الاقتصادي، ويُبرز قيمة المنتج الوطني في الأسواق العالمية.
وأوضحت وزارة البيئة والمياه والزراعة، أن مناطق جازان، عسير، الباحة، مكة المكرمة، نجران تحتضن ما يتجاوز 1.3 مليون شجرة بُن مثمرة، تنتج أكثر من 870 طنًا من البُن الصافي سنويًا، مما يؤكد الإمكانات الزراعية الهائلة للمملكة في هذا القطاع. وفي منطقة جازان وحدها، يتجاوز عدد أشجار البُن المثمرة 966 ألف شجرة، لتُنتج أكثر من 642 طنًا من البُن الصافي، تليها منطقة عسير بأكثر من 243 ألف شجرة مُثمرة، لتُنتج أكثر من 175 طنًا من البُن الصافي، مما يجعل هذه المناطق مراكز حيوية لإنتاج القهوة السعودية.


