في خطوة سياسية محورية، أعلن الإطار التنسيقي العراقي رسمياً ترشيح نوري كامل المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، مرشحاً للكتلة النيابية «الأكثر عدداً». جاء هذا الإعلان مساء السبت، مؤكداً على مسؤولية الإطار الوطنية وحرصه على استكمال الاستحقاقات الدستورية بما يحفظ استقرار البلاد ويعزز مسار الدولة، وذلك بعد اجتماع موسع لقادته في مكتب هادي العامري.
وأفاد بيان الإطار التنسيقي أن القرار جاء بعد نقاش معمّق ومستفيض، وتم بالأغلبية، مستنداً إلى خبرة المالكي السياسية والإدارية ودوره في إدارة الدولة. وأكد الإطار التزامه الكامل بالمسار الدستوري، وحرصه على العمل مع جميع القوى الوطنية لتشكيل حكومة قوية وفاعلة، قادرة على مواجهة التحديات، وتقديم الخدمات، وحماية أمن العراق ووحدته، داعياً مجلس النواب إلى عقد جلسته المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية وفقاً للتوقيتات الدستورية.
السياق التاريخي والسياسي لترشيح المالكي
لا يمكن فهم أهمية هذا الترشيح بمعزل عن المشهد السياسي العراقي المعقد الذي تشكل بعد عام 2003. لطالما اتسمت العملية السياسية في العراق بنظام المحاصصة الطائفية والعرقية، حيث يتم توزيع المناصب العليا، بما في ذلك رئاسة الوزراء، على أساس التوازنات بين المكونات الرئيسية. وقد شغل نوري المالكي منصب رئيس الوزراء لولايتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، وهي فترة شهدت تحديات جسيمة. فخلال ولايته، واجه العراق تصاعداً في العنف الطائفي، وانسحاب القوات الأمريكية، وتفاقم الانقسامات السياسية الداخلية التي بلغت ذروتها مع اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمساحات واسعة من البلاد في عام 2014، وهو ما أدى إلى نهاية ولايته وسط انتقادات حادة حول طريقة إدارته للأزمة الأمنية والسياسية.
يأتي هذا الترشيح في ظل جمود سياسي مستمر منذ الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر 2021. وقد فشلت القوى السياسية العراقية مراراً في التوافق على تشكيل حكومة جديدة، مما ألقى بظلاله على الاستقرار العام للبلاد. يمثل الإطار التنسيقي، الذي يضم قوى شيعية رئيسية، أحد الأطراف الفاعلة في هذه المعادلة، ويسعى جاهداً لكسر الجمود وتشكيل حكومة تحظى بقبول واسع.
تحفظات وانقسامات حول الترشيح
أثار ترشيح المالكي لولاية ثالثة لرئاسة الحكومة انقساماً سياسياً حاداً وتحفظات واسعة لدى العديد من القيادات العراقية. فقد دعا المجلس السياسي الوطني الإطار التنسيقي إلى تحمل «المسؤولية التاريخية» واعتماد مبدأ القبول الوطني في اختيار مرشحي الرئاسات، محذّراً بشكل صريح من «إعادة تدوير تجارب فاشلة ارتبطت بأزمات سياسية وأمنية واقتصادية وسيطرة تنظيمات إرهابية وتهجير ملايين المواطنين»، في إشارة واضحة إلى فترة حكم المالكي السابقة.
ولم تكن هذه التحذيرات الوحيدة؛ فقد أعلن ائتلافا «عزم» و«الحسم» أن ما ورد في الكتاب الموجه للإطار لا يعبر عن رأي جميع أعضاء المجلس، مما يعكس عمق الانقسام. كما حذر رئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي، في تدوينة سابقة، من «العودة إلى أيام عجاف مؤلمة»، داعياً إلى مراعاة «القبول الوطني»، وهو ما فُهم على نطاق واسع كاعتراض على عودة المالكي للمنصب. هذه التحفظات تعكس مخاوف حقيقية من أن يؤدي ترشيح شخصية مثيرة للجدل إلى تعميق الأزمة السياسية بدلاً من حلها.
دعم الترشيح والتأثيرات المحتملة
في المقابل، أكد ائتلاف دولة القانون، الذي يتزعمه المالكي، أن ترشيحه يحظى بـ«إجماع» و«قبول وطني»، نافياً وجود «فيتو» سياسي على اسمه. هذا التأكيد يأتي وسط مخاوف جدية من صعوبة تمرير أي مرشح لا يحظى بقبول سياسي واجتماعي واسع، مما قد يؤدي إلى مزيد من التعطيل في العملية السياسية.
التأثيرات المتوقعة على الساحة المحلية والإقليمية والدولية
إن اختيار رئيس الوزراء في العراق له تداعيات عميقة تتجاوز الحدود المحلية. على الصعيد المحلي، يمكن أن يؤثر هذا الترشيح بشكل كبير على استقرار الحكومة وقدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، ومعالجة قضايا الفساد، وتحقيق التنمية الاقتصادية. فعدم وجود حكومة مستقرة وذات قبول شعبي واسع قد يؤدي إلى تجدد الاحتجاجات الشعبية وتفاقم التوترات الداخلية.
إقليمياً، يمثل العراق نقطة محورية في التوازنات الجيوسياسية. فالعراق يقع بين قوى إقليمية كبرى مثل إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا، وكل منها له مصالحه وتأثيره في المشهد العراقي. إن تعيين رئيس وزراء قد يؤثر على علاقات العراق بهذه الدول، وقد يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية أو يزيد من حدة التوترات. على سبيل المثال، قد يُنظر إلى عودة المالكي، المعروف بعلاقاته القوية مع إيران، على أنها تعزيز للنفوذ الإيراني في المنطقة، مما قد يثير قلق بعض الدول العربية والغربية.
دولياً، تتابع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، عن كثب التطورات في العراق. فاستقرار العراق أمر حيوي لمكافحة الإرهاب، وضمان أمن الطاقة العالمي، والحفاظ على التوازن في الشرق الأوسط. إن حكومة عراقية قوية ومستقرة تحظى بالدعم الدولي يمكن أن تلعب دوراً بناءً في المنطقة، بينما قد تؤدي حكومة ضعيفة أو مثيرة للجدل إلى تقويض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام والأمن في المنطقة.
في الختام، يضع ترشيح نوري المالكي الإطار التنسيقي أمام اختبار حقيقي لقدرته على الموازنة بين المصالح السياسية الداخلية ومتطلبات القبول الوطني والدولي، في سبيل تشكيل حكومة قادرة على قيادة العراق نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.


