في خطوة دبلوماسية وسياسية بارزة، أعلنت وزارة الخارجية البلجيكية، أمس السبت، فرض حظر شامل على تصدير ونقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل. يأتي هذا القرار، الذي يشمل خصوصاً تلك المعدات التي يُحتمل استخدامها في الأراضي الفلسطينية، بهدف واضح يتمثل في عدم المساهمة في تفاقم الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة والضفة الغربية.
وأوضحت المتحدثة باسم الخارجية البلجيكية، أودري جاكي، في تصريحات لوسائل إعلام، أن “بلادنا حظرت تصدير ونقل الأسلحة إلى إسرائيل التي تُستخدم في فلسطين”. وأشارت الخارجية إلى أن قراراً ملكياً صدر يحظر أيضاً عبور أو توقف طائرات تنقل معدات عسكرية أو أسلحة متجهة إلى إسرائيل في المجال الجوي البلجيكي أو مطاراتها، مما يسد الثغرات القانونية التي كانت تُستغل سابقاً لنقل الأسلحة دون ترخيص مباشر. وأكدت جاكي أن الهدف من القرار هو “تجنب المساهمة في الانتهاكات” المحتملة للقانون الدولي الإنساني.
يأتي هذا القرار البلجيكي في سياق تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتحديداً بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر 2023، والتي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر. وقد أدت هذه الحرب إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية إلى مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية الحيوية، ونزوح جماعي لأكثر من 85% من سكان القطاع. لطالما كانت بلجيكا، كعضو في الاتحاد الأوروبي وموقعة على العديد من الاتفاقيات الدولية، ملتزمة بمبادئ القانون الدولي الإنساني وحماية حقوق الإنسان. هذا القرار يعكس قلقاً متزايداً داخل الأوساط السياسية والمجتمعية البلجيكية بشأن استخدام الأسلحة في مناطق النزاع، وتأثيرها المدمر على المدنيين.
الموقف البلجيكي يتماشى مع التزاماتها بموجب معاهدة تجارة الأسلحة (ATT) التي تهدف إلى تنظيم التجارة الدولية في الأسلحة التقليدية ومنع استخدامها في ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي. الأزمة الإنسانية في غزة، التي وصفها العديد من المسؤولين الدوليين بأنها كارثية وتتطلب استجابة دولية حازمة لضمان حماية المدنيين وتوصيل المساعدات، كانت دافعاً رئيسياً وراء هذا الحظر.
لم يكن هذا القرار وليد اللحظة، بل جاء نتيجة لضغوط داخلية متزايدة من منظمات حقوق الإنسان والبرلمانات الإقليمية في بلجيكا، مثل برلمان بروكسل، التي دعت مراراً إلى فرض قيود على تصدير الأسلحة. وقد سبقت هذا الحظر سابقة قضائية حديثة، حيث أمرت محكمة بلجيكية في وقت سابق بوقف شحنات أسلحة من ميناء أنتويرب، ثاني أكبر ميناء في أوروبا، إلى إسرائيل، مما سلط الضوء على الحاجة إلى مراجعة شاملة لسياسات تصدير الأسلحة في البلاد.
يُعد هذا الحظر جزءاً من توجه أوروبي أوسع، حيث سبقت دول مثل إسبانيا وإيرلندا وإيطاليا بلجيكا في اتخاذ إجراءات مشابهة أو تعليق تراخيص التصدير. تعكس هذه التحركات قلقاً متزايداً داخل الاتحاد الأوروبي بشأن الوضع في الأراضي الفلسطينية، وتأتي وسط دعوات متزايدة لفرض حظر أوروبي موحد على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. تستند هذه الدعوات إلى توصيات محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة بشأن الالتزام بعدم المساهمة في جرائم حرب أو انتهاكات حقوق الإنسان، وتؤكد على أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول الأوروبية في الضغط من أجل حل سلمي وعادل للصراع.
على الصعيد الدولي، يبعث القرار البلجيكي برسالة واضحة حول أهمية الالتزام بالمعايير الأخلاقية والقانونية في تجارة الأسلحة، ويشجع دولاً أخرى على إعادة تقييم سياساتها. ورغم أن حجم الصادرات البلجيكية المباشرة من الأسلحة إلى إسرائيل قد لا يكون كبيراً مقارنة ببعض الدول الأخرى، إلا أن الأهمية الرمزية والسياسية لهذا الحظر كبيرة جداً، حيث يضيف وزناً إلى الضغوط الدولية المطالبة بوقف التصعيد وحماية المدنيين في الأراضي الفلسطينية. كما أنه يثير تساؤلات حول فعالية السياسات الأوروبية المشتركة في قضايا حساسة كهذه، ويدعو إلى مزيد من التنسيق لضمان اتساق المواقف الأوروبية تجاه النزاعات الدولية، بما يعزز من مكانة الاتحاد الأوروبي كفاعل مؤثر في الساحة العالمية ملتزم بالقيم الإنسانية.


