كشفت بيانات حديثة صادرة عن وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية عن تطور لافت في المشهد المالي السعودي، حيث أشارت إلى أن البنوك السعودية قد سجلت اقتراضاً ضخماً بلغ نحو 33 مليار دولار خلال عام 2025. هذا الرقم يمثل قفزة نوعية، إذ يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف أعلى مستوى سابق تم تسجيله في عام 2024، والذي كان يقدر بـ 10.5 مليار دولار. تعكس هذه الزيادة الكبيرة في الاقتراض الثقة المتزايدة في الاقتصاد السعودي والطلب المتنامي على التمويل لدعم المشاريع التنموية الطموحة.
تأتي هذه الأرقام في سياق إيجابي للغاية للآفاق الاقتصادية للمملكة، مدفوعة بنشاط قوي ومستمر في كل من القطاعين النفطي وغير النفطي. فبينما يظل القطاع النفطي ركيزة أساسية للاقتصاد، تشهد المملكة تحولاً استراتيجياً نحو تنويع مصادر الدخل، وهو ما يتجلى في النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية. هذا التنوع الاقتصادي يقلل من المخاطر ويخلق بيئة جاذبة للاستثمار والنمو.
رؤية 2030: المحرك الرئيسي للنمو الائتماني
منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 في عام 2016، شهدت وتيرة نمو الائتمان في المملكة تسارعاً ملحوظاً، خاصة منذ عام 2020. فقد انخرطت البنوك السعودية بقوة في تمويل المشاريع العملاقة التي تندرج تحت مظلة هذه الرؤية التحولية، والتي تقدر استثماراتها بتريليونات الدولارات. تهدف رؤية 2030 إلى تحويل المملكة إلى قوة استثمارية عالمية ومركز لوجستي يربط القارات الثلاث، من خلال تطوير قطاعات جديدة مثل السياحة والترفيه والصناعة والتقنية، وإنشاء مدن ومشاريع ضخمة مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، والقدية.
لم يقتصر دور البنوك على تمويل المشاريع الكبرى فحسب، بل توسعت أيضاً في تقديم التمويل العقاري، بالتزامن مع النمو المتسارع في قطاع الإسكان والعقارات. تسعى الحكومة السعودية إلى زيادة نسبة تملك المواطنين للمساكن، مما أدى إلى طفرة في مشاريع الإسكان وتزايد الطلب على القروض العقارية، وهو ما يمثل فرصة كبيرة للبنوك لتعزيز محافظها الائتمانية وخدمة شريحة أوسع من المجتمع.
أهمية الاقتراض الخارجي ودوره في التنمية
إن اعتماد البنوك السعودية على مصادر التمويل الخارجية، كما أشارت وكالة «S&P Global»، يعد خطوة استراتيجية ضرورية لدعم التوسع الهائل في محافظها الائتمانية. فمع حجم المشاريع الطموحة لرؤية 2030، تتجاوز الاحتياجات التمويلية القدرات المحلية وحدها، مما يجعل الاقتراض من الأسواق الدولية أمراً حيوياً. هذا التمويل الخارجي لا يوفر السيولة اللازمة فحسب، بل يعزز أيضاً من مكانة المملكة كوجهة استثمارية موثوقة ويفتح قنوات جديدة للتعاون المالي العالمي.
يُتوقع أن تواصل البنوك السعودية تحقيق نمو قوي في الإقراض، مدعوماً بالاحتياجات التمويلية المرتبطة بمشاريع رؤية 2030 التي لا تزال في مراحلها الأولى وتتطلب استثمارات ضخمة على المدى الطويل. هذا النمو المستدام في الإقراض يعكس الثقة في قدرة الاقتصاد السعودي على استيعاب هذه الاستثمارات وتحقيق عوائد مجزية، مما يعزز من جاذبية المملكة للمستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.
التأثيرات المتوقعة: محلياً وإقليمياً ودولياً
على الصعيد المحلي، سيساهم هذا التوسع في الإقراض في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين جودة الحياة للمواطنين من خلال تطوير البنية التحتية والمشاريع السكنية والخدمية. كما سيعزز من دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في التنمية، ويحفز الابتكار وريادة الأعمال.
إقليمياً، تعزز المملكة العربية السعودية مكانتها كقوة اقتصادية رائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مما يؤثر إيجاباً على الاستقرار الاقتصادي الإقليمي ويفتح آفاقاً للتعاون التجاري والاستثماري مع الدول المجاورة. أما دولياً، فإن استمرار النمو الاقتصادي في المملكة وقدرتها على جذب التمويل الخارجي يعزز من ثقة الأسواق العالمية في استقرار المنطقة ويؤكد على دورها المحوري في الاقتصاد العالمي، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كمركز مالي واستثماري واعد.


