spot_img

ذات صلة

السعودية تطلق “المختبر الطائر” لتعزيز استمطار السحب والأرصاد

في خطوة رائدة نحو تعزيز الأمن المائي والقدرات المناخية، أطلق معالي وزير البيئة والمياه والزراعة، رئيس مجلس إدارة المركز الوطني للأرصاد، المهندس عبدالرحمن الفضلي، أمس، «المختبر الطائر»، وهو طائرة أبحاث استمطار السحب الأحدث من نوعها عالمياً. تعمل هذه الطائرة المتطورة كمختبر جوي متكامل، مصممة خصيصاً لقياس عناصر الغلاف الجوي بدقة فائقة، مما يدعم الدراسات والأبحاث المرتبطة بعمليات استمطار السحب الحيوية. جرى هذا الإطلاق الهام في مقر غرفة عمليات برنامج استمطار السحب بالمركز الوطني للأرصاد بجدة، مؤكداً التزام المملكة بالابتكار في مواجهة التحديات البيئية.

تأتي هذه المبادرة ضمن سياق أوسع لجهود المملكة العربية السعودية في تعزيز استدامتها البيئية ومواردها المائية، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 الطموحة. لطالما شكلت ندرة المياه تحدياً كبيراً في المناطق القاحلة وشبه القاحلة حول العالم، وتعتبر تقنيات استمطار السحب إحدى الحلول الواعدة لزيادة معدلات هطول الأمطار. تعود فكرة استمطار السحب إلى منتصف القرن العشرين، حيث تطورت التقنيات من استخدام اليوديد الفضي إلى أساليب أكثر تقدماً تعتمد على فهم دقيق لفيزياء السحب. تهدف المملكة من خلال هذا المختبر الطائر إلى تطوير هذه التقنيات وتكييفها مع الظروف المناخية المحلية، لضمان أقصى قدر من الفعالية والكفاءة.

خلال زيارته للمركز، اطلع معالي الوزير على منظومة الأعمال الأرصادية والتشغيلية المتكاملة، ودشن عدداً من الأنظمة والبرامج المتقدمة في مجالات الطقس والمناخ والنمذجة العددية. شملت هذه الأنظمة غرفة العمليات الحديثة للطقس والمناخ، والتي تعد مركزاً عصبياً لمراقبة الظواهر الجوية وتحليلها، بالإضافة إلى نظام الإنذار المبكر من الظواهر الجوية، الذي يلعب دوراً حاسماً في حماية الأرواح والممتلكات من الكوارث الطبيعية المحتملة. كما تم إطلاق أنظمة النمذجة العددية المتقدمة والتنبؤات الاحتمالية للطقس، مما يعزز قدرة المركز على تقديم توقعات جوية أكثر دقة وموثوقية، وهو أمر حيوي للتخطيط الزراعي وإدارة الموارد المائية والنقل.

لم تقتصر الإنجازات على ذلك، فقد دشن الوزير أيضاً في مركز التغير المناخي نظام التوقعات الموسمية وشبه الموسمية، الذي يوفر رؤى قيمة حول الأنماط المناخية على المدى الطويل، مما يساعد في اتخاذ قرارات استراتيجية في قطاعات متعددة. كما تم إطلاق نظام مراقبة الجفاف، وهو أداة أساسية لتقييم مستويات الجفاف وتأثيراتها، وقاعدة بيانات التغير المناخي، التي ستكون بمثابة مرجع شامل للبيانات المناخية، تدعم الأبحاث والسياسات المستقبلية. هذه الأنظمة مجتمعة تمثل نقلة نوعية في قدرات المملكة على فهم ومواجهة تحديات التغير المناخي.

وفي إطار دعم التحول الرقمي في قطاع الأرصاد وتعزيز منظومة البيانات المناخية الوطنية، تم استعراض مشروع أعمال أرشفة ورقمنة السجلات المناخية الممتدة على مدى 73 عاماً، من عام 1951 حتى عام 2023. يمثل هذا المشروع جهداً ضخماً للحفاظ على إرث البيانات المناخية الغني للمملكة، وتحويله إلى صيغة رقمية يسهل الوصول إليها وتحليلها. هذه البيانات التاريخية لا تقدر بثمن لفهم التغيرات المناخية طويلة الأمد وتطوير نماذج تنبؤية أكثر دقة.

إن إطلاق المختبر الطائر وتدشين هذه المنظومة المتكاملة من الأنظمة الأرصادية والمناخية يعكس التزام المملكة الراسخ بالابتكار العلمي والتكنولوجي. من المتوقع أن يكون لهذه المبادرات تأثيرات إيجابية واسعة النطاق، ليس فقط على المستوى المحلي من خلال تعزيز الأمن المائي والغذائي وتحسين جودة الحياة، بل أيضاً على المستوى الإقليمي والدولي. فالمملكة، بفضل استثماراتها في هذه التقنيات المتطورة، تضع نفسها في طليعة الدول التي تسعى لإيجاد حلول مستدامة للتحديات البيئية العالمية، وتساهم بفعالية في الجهود الدولية لمكافحة التغير المناخي وفهم ديناميكيات الطقس والمناخ بشكل أفضل. هذا التقدم يعزز مكانة المملكة كمركز للبحث والابتكار في المنطقة، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون العلمي وتبادل الخبرات.

spot_imgspot_img