spot_img

ذات صلة

سوريا: دمشق تؤكد الحل السياسي وترفض الاقتتال مع قسد

تشهد مناطق شمال شرق سوريا تصاعداً ملحوظاً في التوترات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في ظل اتهامات متبادلة بخرق التفاهمات واستهداف المواقع المدنية والعسكرية. تأتي هذه التطورات في سياق معقد من الصراع السوري المستمر منذ أكثر من عقد، حيث تتداخل المصالح المحلية والإقليمية والدولية، مما يجعل أي تصعيد محتملاً ذا تداعيات واسعة النطاق.

وفي هذا الإطار، أكد المتحدث باسم الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن الأولوية القصوى للدولة السورية هي الحفاظ على التفاهمات القائمة وتغليب الحل السياسي والدبلوماسي، رافضاً بشكل قاطع جر البلاد إلى صراع داخلي جديد. وشدد البابا على أن دمشق تمهلت في التعامل مع الوضع في المناطق الكردية لتجنب الاقتتال الداخلي، متهماً قسد بالترويج لصراع عرقي بين العرب والأكراد عبر وسائل إعلامها، وممارسة التضليل على السكان في المناطق التي تسيطر عليها.

من جانبه، أشار معاون وزير الداخلية السوري، عبد القادر طحان، إلى أن تمديد الهدنة مع قسد جاء بهدف إتاحة الفرصة لتطبيق الاتفاقات السابقة والاندماج الكامل ضمن الدولة السورية. وأوضح أن استخدام القوة، في إشارة إلى المواجهات التي اندلعت خلال الأسبوعين الماضيين، أتى لفرض الحلول السياسية التي وافقت عليها قسد سابقاً، مؤكداً أن الجيش السوري يدرس خياراته الميدانية رداً على استهداف الأهالي ومواقع انتشاره، بعد اتهامه لقسد باستهداف مواقع انتشاره في محيط عين العرب (كوباني) بأكثر من 25 مسيرة انتحارية، واستهداف طريق رئيسي.

في المقابل، زعمت قوات سوريا الديمقراطية أن دمشق تواصل ارتكاب انتهاكات خطيرة ومتكررة في عين العرب وفي شمال وشرق البلاد، معتبرة إياها خرقاً واضحاً وصريحاً لبنود اتفاق وقف إطلاق النار. وأعلنت قسد أنها صدت هجوماً برياً على قرية خراب عشق جنوب شرق عين العرب، تزامن مع قصف مدفعي كثيف، مدعية أن الجيش السوري يفرض حصاراً على المدينة بعد انسحاب قواتها من محافظتي الرقة ودير الزور، وتقدم القوات الحكومية نحو تخوم عين العرب.

تأتي هذه التطورات في ظل خلفية تاريخية معقدة للصراع السوري الذي بدأ عام 2011. فبعد سنوات من الحرب الأهلية وظهور تنظيم داعش الإرهابي، برزت قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في شمال وشرق سوريا، مدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ولعبت دوراً محورياً في دحر داعش. هذه الديناميكية خلقت واقعاً جديداً من السيطرة الذاتية في مناطق ذات غالبية كردية، مما أثار قلق دمشق التي تعتبر هذه المناطق جزءاً لا يتجزأ من سيادتها الوطنية، وكذلك قلق تركيا التي ترى في وحدات حماية الشعب (المكون الرئيسي لقسد) امتداداً لحزب العمال الكردستاني المصنف كمنظمة إرهابية.

تكتسب منطقة شمال سوريا، وخاصة عين العرب (كوباني)، أهمية استراتيجية كبيرة. فكوباني، التي أصبحت رمزاً للمقاومة ضد داعش، تقع على الحدود مع تركيا وتعد بوابة لمناطق أخرى ذات أغلبية كردية. إن أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة يمكن أن يزعزع الاستقرار الهش في المنطقة بأسرها، ويؤثر على التفاهمات الإقليمية والدولية التي تشمل روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة، والتي تسعى كل منها لتحقيق مصالحها في سوريا. كما أن التوترات الحالية قد تعرقل جهود مكافحة بقايا تنظيم داعش، وتزيد من معاناة السكان المدنيين الذين عانوا بالفعل من سنوات الصراع.

إن استمرار التوتر والاقتتال الداخلي المحتمل يحمل في طياته تداعيات وخيمة على المستويين المحلي والإقليمي. فمحلياً، يهدد بتشريد المزيد من السكان وتدمير البنية التحتية، ويعيق أي جهود لإعادة الإعمار والاستقرار. إقليمياً، قد يؤدي إلى تدخلات خارجية أوسع، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري، مما يجعل التوصل إلى حل شامل للأزمة السورية أكثر صعوبة. تؤكد دمشق على ضرورة الحوار والحل السياسي كسبيل وحيد لتجنب المزيد من التصعيد، بينما تظل الأطراف الأخرى تترقب التطورات الميدانية، مما يبقي المنطقة على صفيح ساخن يتطلب حكمة دبلوماسية فائقة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

spot_imgspot_img