
الرياض، المملكة العربية السعودية – افتتح معالي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، المهندس أحمد الراجحي، في العاصمة الرياض أعمال النسخة الثالثة من المؤتمر الدولي لسوق العمل. يشهد المؤتمر مشاركة واسعة النطاق من وزراء العمل، وصنّاع القرار، والخبراء البارزين من مختلف دول العالم، بهدف رئيسي هو مناقشة أبرز التحوّلات والتحديات التي تواجه أسواق العمل على المستويين الإقليمي والدولي.
لطالما كانت أسواق العمل مرآة تعكس التطورات الاقتصادية والاجتماعية عبر العصور. فمنذ الثورات الصناعية الأولى التي غيرت أنماط الإنتاج والوظائف، مروراً بعصر العولمة الذي ربط الاقتصادات ببعضها، وصولاً إلى الثورة الرقمية الحالية والذكاء الاصطناعي، تشهد هذه الأسواق تحولات جذرية ومتسارعة. هذه التحولات، التي تتجاوز الحدود الجغرافية، تفرض تحديات غير مسبوقة على الحكومات والشركات والأفراد على حد سواء، وتستدعي استجابات مبتكرة ومتكاملة لضمان استدامة النمو الاقتصادي والاجتماعي.
وأكَّد معالي المهندس الراجحي، في كلمته الافتتاحية الملهمة، أنَّ أسواق العمل العالمية تشهد تحوّلات متسارعة وغير مسبوقة، مدفوعة بالتطور التقني الهائل، والتحولات الديموغرافية الكبيرة، والتغير المستمر في متطلبات المهارات. وشدد معاليه على أن هذه التحوّلات تتطلب بالضرورة تعزيز التعاون الدولي، وتكثيف تبادل الخبرات والمعرفة بين الدول لبناء أسواق عمل أكثر مرونة وقدرة على التكيف، وأكثر استدامة في مواجهة تحديات المستقبل.
وأوضح الراجحي أن المؤتمر الدولي لسوق العمل قد رسخ مكانته كمنصَّة عالمية محورية تجمع القادة وصنَّاع السياسات والخبراء من شتى أنحاء العالم. ويهدف المؤتمر إلى تجاوز مجرد تبادل الرؤى والأفكار، نحو تطوير حلول عملية وملموسة قائمة على الأدلة، تُسهم بفاعلية في تعزيز جاهزية أسواق العمل لمتغيرات المستقبل، لا سيَّما في ظل التوسّع المتسارع في استخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي الذي يعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.
تكتسب استضافة المملكة العربية السعودية لهذا المؤتمر أهمية بالغة، خاصة في ظل رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد، وتمكين رأس المال البشري، وخلق فرص عمل مستدامة للمواطنين. فالمملكة، كقوة اقتصادية إقليمية وعالمية، تسعى جاهدة لتطوير سوق عملها ليصبح أكثر جاذبية ومرونة، وقادراً على استيعاب التغيرات المستقبلية. على الصعيد الإقليمي، يمثل المؤتمر فرصة للدول المجاورة للاستفادة من التجارب والحلول المطروحة، وتبادل أفضل الممارسات لمواجهة التحديات المشتركة، مثل تحديات توظيف الشباب وتطوير المهارات في منطقة تشهد نمواً ديموغرافياً كبيراً. أما دولياً، فيعزز المؤتمر دور المملكة كشريك فاعل في الحوار العالمي حول مستقبل العمل، ويساهم في صياغة سياسات عالمية تضمن العدالة والاستدامة في أسواق العمل للجميع، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
وأشار وزير الموارد البشرية إلى أنَّ محاور المؤتمر في نسخته الحالية تتناول عدداً من القضايا الرئيسة والحيوية، أبرزها تحوّلات التجارة العالمية وتأثيرها على فرص العمل، والاقتصادات غير الرسمية وتحديات دمجها، ونظم المهارات العالمية وكيفية تطويرها، وتأثير الذكاء الاصطناعي العميق على الوظائف المستقبلية، إضافة إلى استراتيجيات التوظيف في أوقات الأزمات وبناء أسواق عمل مرنة وقادرة على الصمود، مع تركيز خاص على تمكين الشباب بوصفهم ركيزة أساسية لاقتصادات المستقبل ومحركاً للابتكار.
واستعرض الراجحي تجربة المملكة الرائدة في تطوير سوق العمل ضمن إطار رؤية المملكة 2030، مؤكداً أنَّ استضافة المؤتمر لا تقتصر على عرض التجربة الوطنية الملهمة فحسب، بل تهدف إلى الإسهام بفاعلية في تعزيز الحوار العالمي حول تحوّلات أسواق العمل، والاستفادة القصوى من التجارب والممارسات الدولية المختلفة لبلورة حلول شاملة.
على هامش المؤتمر، عُقد الاجتماع الوزاري بمشاركة نخبة من وزراء العمل من مختلف دول العالم. وناقش الاجتماع أبرز التحديات المشتركة التي تواجه أسواق العمل، وفي مقدمتها التحوّلات التقنية المتسارعة، وضرورة تطوير المهارات لمواكبتها، ومعالجة قضايا الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين جودة الوظائف المتاحة، إضافة إلى تمكين الشباب والنساء في سوق العمل، وتعزيز الشمولية لضمان فرص متكافئة للجميع.
وأكَّد الوزراء خلال الاجتماع أهمية الاستثمار الاستراتيجي في رأس المال البشري بوصفه المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي المستدام، وضرورة تطوير سياسات مرنة واستباقية تستجيب للتغيرات المتسارعة في أسواق العمل. كما شددوا على أهمية تحويل مخرجات النقاشات الثرية إلى خطوات عملية ملموسة من خلال برامج تعاون مشتركة، وتبادل البيانات والمعلومات، وبناء شراكات فاعلة مع المنظمات الدولية المتخصصة.
ويشهد المؤتمر مشاركة غير مسبوقة تضم أكثر من 40 وزير عمل، إلى جانب أكثر من 200 متحدث دولي من أبرز الخبراء والمفكرين، وبحضور يتجاوز 10000 مشارك من داخل المملكة وخارجها. ويضم برنامج المؤتمر أكثر من 50 جلسة وفعالية متنوعة، مما يعكس المكانة المتقدمة التي وصل إليها المؤتمر الدولي لسوق العمل بوصفه منصّة عالمية مؤثرة ورائدة في صياغة مستقبل العمل على مستوى العالم.
في الختام، يمثل المؤتمر الدولي لسوق العمل في نسخته الثالثة محطة فارقة في مسيرة البحث عن حلول مستدامة لتحديات عالم العمل المتغيرة. فمن خلال الجمع بين القادة والخبراء وصناع القرار من شتى بقاع الأرض، يؤكد المؤتمر على أن مستقبل أسواق العمل يتطلب رؤية استشرافية، وتعاوناً دولياً وثيقاً، واستثماراً مستمراً في تنمية المهارات ورأس المال البشري، لضمان بناء اقتصادات قوية ومجتمعات مزدهرة قادرة على مواجهة أي متغيرات مستقبلية بمرونة وكفاءة.


