تُعد المقاصف المدرسية ركيزة أساسية في توفير التغذية اليومية للطلاب والطالبات، ولطالما كانت محط اهتمام أولياء الأمور الذين يتطلعون إلى أن تتناغم إجراءات إدارات التعليم في ما يخص هذه المقاصف مع التوجهات الوطنية الطموحة. فالمملكة العربية السعودية، ضمن رؤيتها 2030، تولي أهمية قصوى لبرنامج جودة الحياة، الذي يضع الإنسان في صميم أولوياته، باعتباره المستهدف بمخرجات التنمية والمُسهم الفاعل في تنفيذ مفرداتها وإقرار آلياتها. وفي هذا السياق، يصبح توفير بيئة غذائية صحية وآمنة في المدارس ليس مجرد مطلب، بل ضرورة وطنية تخدم بناء جيل سليم وقادر على تحقيق أهداف الرؤية.
تضطلع الدولة، ممثلةً في هيئة الغذاء والدواء (SFDA)، بدور حيوي في اتخاذ التدابير اللازمة للحد من انتشار الأطعمة والمشروبات قليلة النفع، ومنع وصول الضار منها إلى المستهلك. وتهدف هذه الجهود إلى حماية صحة المجتمع بأسره. ومع ذلك، لا تزال بعض المقاصف المدرسية تتمتّع بمساحة حريّة واسعة، لا تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المرحلة العمرية الحساسة للأطفال واليافعين، ولا صحة هؤلاء الذين يستهلكون يومياً بعض المواد التي تُضعف مناعتهم أو تكون مدعاة لانتشار الأمراض المزمنة، ومنها: السكري، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة. هذه الأمراض لا تؤثر فقط على جودة حياة الطلاب في المدى القصير، بل تمتد آثارها لتشكل تحديات صحية واقتصادية كبيرة على المدى الطويل.
إن الاهتمام بتغذية الطلاب في المدارس ليس مجرد رفاهية، بل هو استثمار في المستقبل. فالتغذية السليمة تلعب دوراً محورياً في تعزيز القدرات الذهنية للطلاب، وتحسين تركيزهم وأدائهم الأكاديمي، فضلاً عن بناء مناعة قوية تحميهم من الأمراض. وعلى النقيض، فإن استهلاك الأطعمة غير الصحية يؤدي إلى تراجع في مستويات الطاقة والتركيز، مما ينعكس سلباً على التحصيل الدراسي ويؤثر على السلوك العام للطلاب. تاريخياً، شهدت العديد من الدول حول العالم تحولات في سياسات المقاصف المدرسية، مدفوعة بتزايد الوعي بأهمية التغذية المدرسية وتأثيرها المباشر على الصحة العامة والتعليم. وقد أظهرت الدراسات أن البرامج الغذائية المدرسية المتكاملة تساهم في تقليل معدلات التسرب الدراسي وتحسين الحضور.
لا يمكن أن يكون المردود المادي للمستثمر في مقاصف مدارس الدولة أثمن من حياة وصحة الأجيال القادمة. فلو فُقدت هذه الصحة، لتكبّد قطاع الصحة أعباء أكبر بكثير في علاج الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، مما يشكل ضغطاً هائلاً على الميزانيات الوطنية. هذا الواقع يحتّم الحاجة الماسة إلى متعهد متخصص في التغذية الصحية، يلتزم بالمعايير العلمية والوطنية، بالإضافة إلى رقابة دائمة ومحكمة، سواء كانت داخلية من قبل إدارات التعليم أو خارجية من قبل الجهات المختصة مثل هيئة الغذاء والدواء. هذه الرقابة ضرورية للحدّ من أي تجاوزات قد تضر بأجسام وأرواح أبنائنا، خاصة وأن بعض المستثمرين قد لا يفكّرون إلا في جني الأرباح دون اعتبار للمسؤولية الاجتماعية والصحية. الاستثمار السعودي اليوم يركّز على بناء إنسان متكامل صحةً ووعياً وسلامة وخلواً من العلل والأسقام، وهذا يبدأ من مقاعد الدراسة.
إن تأثير هذه الإجراءات لا يقتصر على المستوى المحلي فحسب، بل يمتد ليضع المملكة في مصاف الدول الرائدة التي تلتزم بالمعايير العالمية في صحة الطفل ورفاهيته. فعلى الصعيد الإقليمي والدولي، تتزايد الدعوات لتطبيق سياسات غذائية صارمة في المدارس لمواجهة التحديات الصحية العالمية مثل السمنة ومرض السكري بين الأطفال. ومن خلال تبني أفضل الممارسات وتطبيقها بفعالية، يمكن للمملكة أن تكون نموذجاً يحتذى به في المنطقة، مؤكدةً التزامها بتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالصحة والتعليم الجيد. إنها دعوة واضحة للعمل المشترك بين جميع الأطراف المعنية – من إدارات تعليم، وهيئات صحية، وأولياء أمور، ومستثمرين – لضمان مستقبل صحي ومشرق لأجيالنا القادمة.


