أكد صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، على الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الأخوية التي تجمع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، واصفاً إياها بأنها ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي. جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده سموه في بولندا، حيث شدد على ضرورة الحفاظ على علاقة قوية وإيجابية بين البلدين الشقيقين، لما لها من تداعيات إيجابية على المنطقة بأسرها.
تاريخياً، تمتد جذور العلاقات السعودية الإماراتية لعقود طويلة، مبنية على أسس راسخة من الأخوة والمصير المشترك والمصالح الاستراتيجية المتقاربة. لطالما شكل البلدان ثقلاً سياسياً واقتصادياً مهماً في منطقة الخليج والعالم العربي، وعملا معاً ضمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية لتعزيز الأمن والتنمية. وقد تجلت هذه الشراكة في العديد من المبادرات الإقليمية والدولية، وفي التنسيق المستمر لمواجهة التحديات المشتركة، من مكافحة الإرهاب إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وفي سياق حديثه، لم يغفل الأمير فيصل بن فرحان الإشارة إلى وجود اختلافات في الرؤى بين الرياض وأبوظبي فيما يتعلق بالملف اليمني. أوضح سموه أن قرار الإمارات بالانسحاب الكامل من اليمن كان خطوة أساسية لاستمرار قوة العلاقات الثنائية. هذا التصريح يعكس مستوى عالٍ من الشفافية والدبلوماسية في التعامل مع القضايا الحساسة، ويؤكد على قدرة البلدين على إدارة التباينات في وجهات النظر ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية الأوسع.
يُعد الصراع في اليمن من أعقد الأزمات الإقليمية، وقد شهدت المنطقة تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في عام 2015 لدعم الحكومة الشرعية واستعادة الاستقرار بعد سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء. لعبت الإمارات دوراً محورياً في هذا التحالف، لكنها اتخذت لاحقاً قراراً بإعادة تموضع قواتها والانسحاب تدريجياً، مركزة على جهود مكافحة الإرهاب ودعم القوات المحلية في جنوب اليمن. هذا التباين في الاستراتيجيات، وإن كان ملحوظاً، لم يمس جوهر العلاقة السعودية الإماراتية، بل تم التعامل معه بمرونة تضمن استمرارية التعاون في ملفات أخرى.
إن أهمية هذه العلاقات تتجاوز البعد الثنائي لتشمل الاستقرار الإقليمي والدولي. فالمملكة والإمارات، بصفتهما قوتين اقتصاديتين وسياسيتين رئيسيتين، تساهمان بشكل كبير في أمن الطاقة العالمي ومكافحة التطرف. الحفاظ على هذه الشراكة القوية، حتى مع وجود اختلافات في التكتيكات أو الأولويات في بعض الملفات، يبعث برسالة طمأنة للمجتمع الدولي حول قدرة دول المنطقة على إدارة خلافاتها بحكمة ودبلوماسية، مع التركيز على الأهداف الاستراتيجية الكبرى.
جاءت تصريحات وزير الخارجية خلال زيارة عمل إلى بولندا، حيث التقى بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي. تضمنت المباحثات استعراضاً للعلاقات الثنائية وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، بالإضافة إلى بحث التطورات السياسية والقضايا ذات الاهتمام المشترك، والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. وعقب اللقاء، تم توقيع اتفاقية للإعفاء المتبادل من التأشيرات لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخدمة والخاصة، مما يعكس حرص البلدين على تعزيز التبادل والتعاون.
كما شهدت الزيارة توقيع مذكرة إنشاء المجلس التنسيقي بين حكومتي المملكة وبولندا. يهدف هذا المجلس إلى تكثيف التعاون الثنائي عبر التشاور والتنسيق على مختلف الأصعدة، واستكشاف فرص جديدة للتعاون في مجالات متعددة، بما يحقق تطلعات الشعبين الصديقين وينقل العلاقات نحو آفاق أرحب. هذه الخطوات الدبلوماسية تؤكد على استراتيجية المملكة في تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز حضورها على الساحة العالمية، بما يخدم مصالحها الوطنية والإقليمية.


