كشفت تقارير صحفية حديثة، أبرزتها صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، عن تطورات حساسة في المشهد الدبلوماسي المتعلق بالحرب في أوكرانيا. تشير هذه التقارير إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لتقديم ضمانات أمنية حاسمة لكييف، لكن بشرط موافقة أوكرانيا على اتفاق سلام يتضمن تنازلات إقليمية معينة، وهو ما يثير جدلاً واسعاً حول مستقبل الصراع ووحدة الأراضي الأوكرانية.
ووفقاً لثمانية مصادر مطلعة نقلت عنها الصحيفة، فإن واشنطن قد تعرض على أوكرانيا تعزيزات عسكرية إضافية لجيشها في أوقات السلم، شريطة أن تسحب كييف قواتها من الأجزاء التي تسيطر عليها في منطقة دونباس الشرقية. هذا الطرح يضع أوكرانيا أمام خيار صعب بين الحفاظ على سيادتها الكاملة على أراضيها وتلقي دعم أمني حيوي من حليفها الأكبر.
في المقابل، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في تصريحات سابقة أن الوثيقة الأمريكية الخاصة بالضمانات الأمنية لأوكرانيا “جاهزة بنسبة 100%”، معرباً عن ترقب كييف لتحديد موعد ومكان توقيعها. ومع ذلك، شدد زيلينسكي على الموقف الأوكراني الثابت بضرورة الحفاظ على وحدة أراضي البلاد كشرط أساسي لأي اتفاق سلام ينهي الحرب. هذا التباين في المواقف يعكس عمق التحديات التي تواجه المفاوضات.
من جانبه، أعرب مسؤول أوكراني رفيع المستوى للصحيفة عن تزايد الشكوك لدى بلاده حول مدى التزام واشنطن بتقديم هذه الضمانات الأمنية، مشيراً إلى تردد الولايات المتحدة في كل مرة تلوح فيها فرصة توقيع هذه الضمانات. وتفيد «فايننشال تايمز» بأن أوكرانيا تسعى لتأكيد الضمانات قبل أي تنازل عن أراضيها، بينما ترى الولايات المتحدة أن تخلي كييف عن دونباس قد يكون مفتاحاً لإنهاء الصراع، دون ممارسة ضغط كافٍ على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتخلي عن هذا المطلب.
لكن البيت الأبيض سارع إلى نفي هذه التقارير، حيث وصفت نائبة المتحدث باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، ما نشرته الصحيفة بأنه “كذب”، مؤكدة أن العملية التفاوضية بين ممثلي روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا “في حالة ممتازة”. كما أعلن مصدر مطلع أن واشنطن “لا تحاول فرض أي تنازلات إقليمية على أوكرانيا”، وأن الضمانات الأمنية مرهونة بموافقة الطرفين على اتفاق سلام شامل.
من جانبها، نقلت وكالة «تاس» الروسية للأنباء عن الكرملين تأكيده أن مسألة الأراضي تظل جوهرية في أي اتفاق لإنهاء القتال في أوكرانيا، وذلك بعد محادثات جرت مطلع الأسبوع، مما يؤكد على تعقيد القضية المحورية.
تأتي هذه التطورات في سياق صراع مستمر منذ عام 2014، عندما قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم بشكل غير قانوني ودعمت الانفصاليين في منطقتي دونيتسك ولوغانسك في دونباس، مما أدى إلى نشوب حرب أهلية هناك. تصاعدت الأزمة بشكل كبير مع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، والذي هدف، بحسب موسكو، إلى ‘نزع سلاح’ و’اجتثاث النازية’ من أوكرانيا، بينما تعتبره كييف والغرب عدواناً سافراً وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. لقد فشلت اتفاقيات مينسك السابقة، التي سعت لوقف إطلاق النار في دونباس، في تحقيق سلام دائم، مما يجعل أي مفاوضات مستقبلية محفوفة بالشكوك حول إمكانية تطبيقها.
إن أي اتفاق يتضمن تنازلات إقليمية من جانب أوكرانيا يحمل تداعيات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يعني ذلك خسارة جزء من السيادة الوطنية وتشريد المزيد من السكان، مع ما يترتب على ذلك من تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية داخلية. إقليمياً، قد يشكل هذا سابقة خطيرة لتغيير الحدود بالقوة في أوروبا، مما يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض مبادئ الأمن الجماعي. دولياً، تضع هذه المفاوضات مصداقية الضمانات الأمنية الغربية على المحك، وتثير تساؤلات حول فعالية القانون الدولي في حماية سيادة الدول. كما أنها قد تؤثر على مستقبل حلف الناتو ودوره في مواجهة التهديدات الأمنية، وتحدد مسار العلاقات بين روسيا والغرب لعقود قادمة، مع احتمالية تحول الصراع إلى ‘صراع مجمد’ يهدد بالاشتعال في أي وقت.
في ظل هذه التعقيدات، يبقى مستقبل أوكرانيا ومصير أراضيها معلقاً على توازنات القوى الدبلوماسية والعسكرية، وعلى قدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى حل يحقق الأمن والاستقرار دون المساس بالأسس الجوهرية للسيادة والعدالة الدولية.


