spot_img

ذات صلة

الهند والاتحاد الأوروبي: اتفاق تجاري تاريخي بعد 20 عامًا

الهند والاتحاد الأوروبي يبرمان اتفاقًا تجاريًا ضخمًا بعد عقدين من المفاوضات، في خطوة استراتيجية تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية وتعزز الشراكات الاقتصادية في ظل التحولات الجيوسياسية.

أعلنت الهند والاتحاد الأوروبي عن التوصل إلى اتفاق تجاري تاريخي طال انتظاره، بعد مفاوضات مكثفة استمرت لما يقرب من عشرين عامًا. يمثل هذا الإنجاز تحولًا استراتيجيًا بارزًا في المشهد التجاري العالمي، خاصة في ظل تصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية مع قوى اقتصادية كبرى أخرى.

وصف رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي، اليوم (الثلاثاء)، هذا الاتفاق بأنه «أم الصفقات»، مؤكدًا أنه سيفتح آفاقًا اقتصادية واسعة أمام أكثر من 1.4 مليار نسمة في الهند وملايين الأوروبيين. وأشار مودي إلى أن هذه الشراكة الجديدة ستعزز بشكل كبير النمو الاقتصادي والاستثمار المتبادل والتبادل التجاري بين الجانبين، مما يرسخ علاقاتهما الثنائية.

من المنتظر أن يُعلن مودي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تفاصيل الاتفاق رسميًا خلال قمة الهند–الاتحاد الأوروبي المرتقبة في نيودلهي. ويأتي هذا التطور في وقت بلغ فيه حجم التبادل التجاري بين الطرفين 136.5 مليار دولار أمريكي خلال السنة المالية 2024 – 2025، وهو ما يعكس الإمكانات الهائلة للنمو المستقبلي.

هذا الاتفاق ليس وليد اللحظة، بل يمثل تتويجًا لعلاقات اقتصادية وسياسية عميقة بين الطرفين تعود لعقود. بدأت المفاوضات الرسمية حول اتفاقية التجارة الحرة (FTA) بين الهند والاتحاد الأوروبي في عام 2007، لكنها توقفت في عام 2013 بسبب خلافات حول قضايا رئيسية مثل الرسوم الجمركية على السيارات والمشروبات الكحولية، وحماية الملكية الفكرية، ومعايير العمل والبيئة. استؤنفت المحادثات في عام 2021، مدفوعة بتغير المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي، والرغبة المشتركة في تعزيز سلاسل التوريد المرنة وتنويع الشركاء التجاريين. على مدار العقدين الماضيين، شهدت كل من الهند والاتحاد الأوروبي تحولات اقتصادية كبيرة، حيث برزت الهند كقوة اقتصادية عالمية صاعدة، بينما عزز الاتحاد الأوروبي مكانته كأكبر سوق موحد في العالم.

يأتي الاتفاق في سياق سباق عالمي محموم لإعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية. فقد كثّف الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الأخيرة توقيع اتفاقات تجارية مع تكتلات ودول عدة، من بينها ميركوسور وإندونيسيا والمكسيك وسويسرا، فيما أبرمت الهند اتفاقات مماثلة مع المملكة المتحدة ونيوزيلندا وسلطنة عُمان، مما يؤكد التوجه نحو تنويع الشراكات.

يرى محللون أن الاتفاق الهندي – الأوروبي يعكس رغبة متبادلة في تقليص الاعتماد على السوق الأمريكية، خصوصًا في ظل السياسات التجارية الصارمة التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع الهندية، وتعثر مفاوضات التجارة بين واشنطن ونيودلهي. هذا الاتفاق يوفر بديلًا استراتيجيًا ويعزز استقلالية الطرفين التجاريين.

من المتوقع أن يفتح هذا الاتفاق آفاقًا غير مسبوقة للنمو الاقتصادي لكلا الجانبين. بالنسبة للهند، سيوفر وصولاً تفضيليًا إلى سوق الاتحاد الأوروبي الضخم الذي يضم أكثر من 450 مليون مستهلك، مما يعزز قطاعات مثل المنسوجات والملابس والمنتجات الزراعية والخدمات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات. كما سيجذب استثمارات أوروبية جديدة إلى الهند، مما يدعم مبادرات مثل «صنع في الهند» (Make in India) ويخلق فرص عمل. أما الاتحاد الأوروبي، فسيستفيد من الوصول إلى السوق الهندية سريعة النمو التي تضم طبقة متوسطة متزايدة، مما يفتح الباب أمام صادراته من الآلات والمعدات والتكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية. كما يسهم الاتفاق في تنويع سلاسل التوريد الأوروبية، وتقليل الاعتماد على مصادر معينة، وتعزيز المرونة الاقتصادية في مواجهة الصدمات العالمية.

يتجاوز تأثير هذا الاتفاق الجوانب الاقتصادية البحتة ليمتد إلى الأبعاد الجيوسياسية. فهو يعزز مكانة كل من الهند والاتحاد الأوروبي كقوتين داعمتين للتجارة الحرة القائمة على القواعد، في وقت تتزايد فيه التوجهات الحمائية في أجزاء أخرى من العالم. كما يمثل الاتفاق ركيزة أساسية لاستراتيجية الاتحاد الأوروبي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تعتبر الهند شريكًا استراتيجيًا حيويًا لضمان الاستقرار والأمن الاقتصاديين. الشراكة المتعمقة بين أكبر ديمقراطيتين في العالم، الهند والاتحاد الأوروبي، تبعث برسالة قوية حول أهمية التعاون متعدد الأطراف والقيم المشتركة مثل الديمقراطية وسيادة القانون. هذا التحالف التجاري الجديد يمكن أن يشكل نموذجًا للتعاون المستقبلي بين الاقتصادات الكبرى، ويساهم في إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي نحو مزيد من التوازن والتنوع.

ومن المتوقع أن يدخل الاتفاق حيّز التنفيذ خلال عام، بعد استكمال الإجراءات القانونية اللازمة من قبل الطرفين، ما يجعله أحد أبرز الاتفاقات التجارية متعددة الأطراف في العقد الحالي، وحدثًا مفصليًا في العلاقات الاقتصادية الدولية.

spot_imgspot_img