الذهب يتألق: توقعات بوصول أسعاره إلى 6000 دولار للأوقية بحلول 2026
في ظل تصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي عالمياً، تتجه أنظار المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، ويبرز الذهب كخيار رئيسي. وقد شهد المعدن الأصفر ارتفاعات قياسية مؤخراً، مما دفع كبرى المؤسسات المالية العالمية إلى مراجعة توقعاتها المستقبلية. ففي خطوة تعكس الثقة المتزايدة في الذهب كأصل حقيقي، توقع «دويتشه بنك» اليوم أن تشهد أسعار الذهب قفزة ملحوظة لتصل إلى 6000 دولار للأوقية بحلول عام 2026، وذلك مع استمرار المستثمرين في زيادة مخصصاتهم من الأصول غير الدولارية والأصول المادية.
الذهب عبر التاريخ: ملاذ آمن في أوقات الأزمات
لطالما كان الذهب رمزاً للثروة ومخزناً للقيمة عبر العصور، محافظاً على مكانته كملاذ آمن في أوقات الأزمات. تاريخياً، شهد الذهب ارتفاعات كبيرة خلال فترات التضخم المرتفع، وعدم الاستقرار الاقتصادي، والتوترات الجيوسياسية. فمنذ فك ارتباط الدولار بالذهب في أوائل السبعينيات، أصبحت أسعاره أكثر عرضة لتقلبات السوق، لكنه في الوقت نفسه أثبت قدرته على الاحتفاظ بقيمته بل وزيادتها في أوقات الشك. على سبيل المثال، شهدت أسعار الذهب طفرات ملحوظة خلال أزمة النفط في السبعينيات، والأزمة المالية العالمية عام 2008، وكذلك خلال جائحة كوفيد-19، حيث سعى المستثمرون لحماية رؤوس أموالهم من التدهور الاقتصادي وعدم اليقين في الأسواق التقليدية.
أداء قياسي وتوقعات متفائلة من كبرى البنوك
وقد تجلى هذا الدور بوضوح في الأداء الأخير للذهب، حيث سجل المعدن الثمين مستوى قياسياً مرتفعاً تجاوز 5100 دولار للأوقية في المعاملات الفورية أمس، مدفوعاً بشكل أساسي بتزايد حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي التي عززت إقبال المستثمرين على الأصول التي توفر الأمان. ولم يكن «دويتشه بنك» الوحيد الذي يرى هذا الصعود، بل أشار البنك إلى أن سعر الأوقية قد يصل إلى 6900 دولار في سيناريوهات بديلة، وهو ما قد يكون أكثر اتساقاً مع الأداء القوي للغاية الذي شهده الذهب على مدى العامين الماضيين. ويتفق محللون في «سوسيتيه جنرال» أيضاً على توقع وصول سعر الذهب إلى 6000 دولار للأوقية بحلول نهاية العام، معتبرين أن هذا التقدير قد يكون متحفظاً في ظل الفرص الكبيرة لتحقيق المزيد من المكاسب. كما أشار «مورغان ستانلي» أمس إلى أن الذهب قد يواصل مساره الصعودي، متوقعاً احتمال وصوله إلى 5700 دولار للأوقية.
عوامل متعددة تدعم صعود الذهب
هذا الزخم الصعودي ليس وليد اللحظة، فقد قفزت أسعار الذهب بأكثر من 17% منذ بداية عام 2026، مستفيدة من صعودها القوي بنسبة 64% العام الماضي. وتدعم هذه الارتفاعات عدة عوامل رئيسية، أبرزها مشتريات البنوك المركزية القوية التي تسعى لتنويع احتياطاتها وتقليل الاعتماد على الدولار، بالإضافة إلى التدفقات الكبيرة الداخلة إلى الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs) التي تعكس اهتمام المستثمرين الأفراد والمؤسسات. كما تلعب التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأمريكية دوراً محورياً، حيث أن خفض الفائدة يقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائداً، مما يجعله أكثر جاذبية مقارنة بالسندات والأصول الأخرى.
تأثيرات اقتصادية واسعة النطاق لارتفاع أسعار الذهب
إن استمرار صعود أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة يحمل في طياته تداعيات اقتصادية واسعة النطاق على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. فبالنسبة للمستثمرين، يمثل الذهب فرصة لتحقيق عوائد مجزية وتحصين محافظهم الاستثمارية ضد تقلبات الأسواق. أما على مستوى البنوك المركزية، فإن زيادة حيازات الذهب تعزز من استقرار العملات الوطنية وتوفر شبكة أمان في أوقات الأزمات الاقتصادية العالمية. كما أن ارتفاع أسعار الذهب قد يؤثر على قطاع التعدين، مما يزيد من ربحية الشركات العاملة في هذا المجال ويشجع على استكشاف مناجم جديدة. على الصعيد الاستهلاكي، قد يؤدي ارتفاع أسعار الذهب إلى زيادة تكلفة المجوهرات والمنتجات الذهبية، لكنه في الوقت نفسه يعزز من قيمة المدخرات الذهبية للأفراد. عالمياً، يُنظر إلى الذهب كمؤشر على حالة الاقتصاد العالمي وثقة المستثمرين، حيث يعكس ارتفاعه عادةً قلقاً من التضخم أو تباطؤ النمو الاقتصادي أو تصاعد التوترات الجيوسياسية، مما يجعله محط أنظار صناع القرار الاقتصادي والسياسي في جميع أنحاء العالم.
ترقب قرارات البنوك المركزية
وفي سياق هذه التوقعات، يترقب المستثمرون قرارات البنوك المركزية، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي الأمريكي)، الذي من المتوقع أن يثبت أسعار الفائدة في اجتماعه الذي سيبدأ في وقت لاحق اليوم، وذلك في ظل تقييم دقيق للبيانات الاقتصادية ومؤشرات التضخم.


