في ظل التحديات المعقدة التي يواجهها اليمن، تتواصل الجهود الدبلوماسية والسياسية الرامية إلى إيجاد حلول مستدامة تضمن استقرار البلاد ووحدتها. وفي هذا السياق، تشهد العاصمة السعودية الرياض توافدًا مستمرًا لشخصيات جنوبية بارزة، بينما تجري لقاءات مكثفة على مستوى المحافظات الجنوبية لليمن، بمشاركة شخصيات قبلية ومكونات سياسية وشبابية. تهدف هذه اللقاءات إلى بلورة رؤى مشتركة للحلول المطروحة في الحوار الجنوبي، وتحديد الأفكار التي يمكن أن تسهم في بناء مستقبل أفضل لليمن.
تعكس هذه الحوارات الجارية حكمة وعقلانية الإنسان اليمني الذي يدرك أهمية تغليب لغة الحوار ونبذ العنف والإرهاب كسبيل وحيد لتحقيق السلام. وتأتي هذه المساعي في ظل رعاية حكيمة من المملكة العربية السعودية، التي تقود تحالف دعم الشرعية في اليمن. يبذل التحالف جهودًا مضنية على الأرض بالتنسيق مع الحكومة اليمنية الشرعية، ليس فقط على الصعيد العسكري والأمني، بل أيضًا لتحسين المستوى المعيشي للمواطنين في المحافظات المحررة. تشمل هذه الجهود صرف المرتبات المتأخرة، وإعادة تأهيل البنى التحتية الحيوية مثل شبكات الكهرباء والمياه، واستعادة كافة الخدمات الأساسية التي تدهورت بفعل الصراع، بالإضافة إلى إعادة ترتيب الأجهزة الأمنية والعسكرية لفرض الأمن والاستقرار.
إن الواقع اليوم في عدن وحضرموت وبقية المحافظات المحررة يقدم دليلًا واضحًا على أن وجود طرف كان يعرقل التنمية والبناء قد زال. وبفرار هذا الطرف، تمكن أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية من تلمس تحسن ملحوظ في الأوضاع. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه اليمن اليوم يتمثل في توحيد الصفوف ونبذ الخلافات التي يستغلها أعداء اليمن لزعزعة استقراره. هنا تبرز أهمية دعوة جميع القوى السياسية والحزبية وقادة القوات العسكرية إلى العمل بإخلاص لتنفيذ تعهداتهم، سواء القسم الدستوري أو التعهدات العسكرية، وتطبيق مخرجات اتفاق الرياض.
يُعد اتفاق الرياض، الذي وُقع في نوفمبر 2019، خطوة محورية نحو استعادة الاستقرار في المحافظات الجنوبية. من أبرز بنوده توحيد كافة القوات العسكرية والأمنية تحت قيادة وزارتي الداخلية والدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة. هذا الدمج ضروري للقضاء على الشعارات المناطقية والولاءات الشخصية والفئوية التي أضعفت مؤسسات الدولة لعقود. إن إعادة بناء جيش وطني قوي وموحد، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والمناطقية، سيعيد للدولة اليمنية ومؤسساتها العسكرية والأمنية اعتبارها ومكانتها، ويؤسس لجيش قادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وداعم لأي عملية مستقبلية تهدف إلى استعادة كرامة الإنسان اليمني وكامل مؤسساته الشرعية.
تاريخيًا، عانى اليمن من تشرذم القوات المسلحة وتعدد الولاءات، وهو ما فاقم من حدة الصراعات الداخلية. فمنذ عقود، كانت هناك قوات تابعة لشخصيات أو مناطق معينة، مما أضعف مفهوم الدولة المركزية وقدرتها على بسط سيادتها. وقد تفاقمت هذه المشكلة بشكل كبير مع اندلاع الأزمة الحالية، حيث انقسمت القوات بين أطراف متعددة، مما أدى إلى حالة من عدم الاستقرار والفوضى في مناطق واسعة. إن توحيد هذه القوات تحت مظلة وطنية واحدة ليس مجرد إجراء عسكري، بل هو ركيزة أساسية لبناء دولة حديثة قادرة على حماية مواطنيها وتوفير الأمن والخدمات لهم.
إن أهمية توحيد الجيش تتجاوز الجانب الأمني المباشر. فعلى الصعيد المحلي، سيسهم وجود جيش موحد في تعزيز الثقة بين المواطنين والدولة، وتشجيع الاستثمار والتنمية الاقتصادية، وتحسين الخدمات العامة. إقليميًا، سيعزز اليمن الموحد والمستقر من أمن المنطقة ويقلل من فرص التدخلات الخارجية، مما يصب في مصلحة جميع دول الجوار. دوليًا، سيعزز توحيد الجيش من قدرة اليمن على مكافحة الإرهاب والتطرف، وهي قضايا تهم المجتمع الدولي بأسره، وسيسهل جهود إعادة الإعمار والدعم الإنساني. إن بناء جيش وطني قوي هو الضمانة الحقيقية لسيادة اليمن واستقلاله، وخطوة لا غنى عنها نحو تحقيق السلام الدائم والازدهار لشعبه.


