spot_img

ذات صلة

غينيا بيساو توقف دراسة لقاح أمريكية: أخلاقيات وسيادة

في خطوة تعكس تمسكها بسيادتها وحماية مواطنيها، أعلنت وزارة الصحة في غينيا بيساو تعليق أو إلغاء دراسة طبية ممولة من الولايات المتحدة الأمريكية تتعلق بلقاح التهاب الكبد B لدى المواليد الجدد. يأتي هذا القرار الحاسم وسط تصاعد خلاف حاد مع الجهات الأمريكية الممولة، ويثير تساؤلات عميقة حول أخلاقيات البحث العلمي في الدول النامية ومدى احترام سيادتها الوطنية.

تفاصيل الدراسة المثيرة للجدل والمخاوف الأخلاقية

الدراسة، التي تبلغ تكلفتها 1.6 مليون دولار وتدعمها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) الأمريكية، كانت تخطط لتجنيد نحو 14 ألف مولود جديد. كان من المقرر أن يحصل نصف هؤلاء الأطفال (7000) على لقاح التهاب الكبد B خلال 24 ساعة من الولادة، بينما يُحرم النصف الآخر منه حتى عمر ستة أسابيع. الهدف المعلن للدراسة كان تقييم التأثيرات الصحية العامة للقاح، وليس فقط فعاليته الوقائية ضد الفيروس.

لكن هذا التصميم أثار انتقادات واسعة النطاق من قبل خبراء دوليين وأخلاقيين طبيين، الذين وصفوها بأنها “غير أخلاقية للغاية” و”تشبه تجربة توسكيجي سيئة السمعة”. يكمن جوهر الاعتراض في حرمان آلاف الأطفال من لقاح مثبت فعاليته وسلامته منذ عقود، خاصة في بلد مثل غينيا بيساو الذي يعاني من أعلى معدلات الإصابة بالفيروس في العالم. كما أشار المنتقدون إلى أن الدراسة لم تتضمن فحصاً روتينياً للأمهات، مما يعرض الأطفال غير الملقحين لخطر انتقال العدوى من الأم وتطورها إلى أمراض مزمنة قاتلة مثل تليف الكبد وسرطان الكبد.

السياق التاريخي: إرث التجارب الطبية في أفريقيا

لا يمكن فهم حساسية هذا الخلاف بمعزل عن السياق التاريخي الطويل للتجارب الطبية في القارة الأفريقية. فلطالما كانت أفريقيا مسرحاً لدراسات طبية ممولة من الدول الغنية، بعضها أثار جدلاً كبيراً بسبب انتهاكات أخلاقية جسيمة. تجربة توسكيجي للزهري في الولايات المتحدة، التي حُرم فيها رجال أمريكيون من أصل أفريقي من العلاج الفعال، هي مثال صارخ على الإهمال الأخلاقي الذي يمكن أن يحدث. هذه التجارب تركت إرثاً من عدم الثقة وشكوكاً عميقة حول دوافع البحث الغربي في الدول النامية، مما يغذي المخاوف من “الاستعمار الجديد” في مجال البحث الطبي، وهو ما أشار إليه مسؤولون أفارقة في هذا السياق. إن حماية الفئات الأكثر ضعفاً، مثل المواليد الجدد، تصبح أولوية قصوى في ظل هذا الإرث.

أهمية لقاح التهاب الكبد B وتأثيره العالمي

يُعد فيروس التهاب الكبد B من أخطر الأمراض المعدية عالمياً، ويشكل تهديداً صحياً عاماً كبيراً، خاصة في منطقة جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية. ينتقل الفيروس غالباً من الأم إلى الطفل أثناء الولادة، ويؤدي في نحو 90% من حالات الإصابة عند الرضع إلى عدوى مزمنة قد تتطور إلى تليف الكبد أو سرطان الكبد في وقت لاحق من الحياة. توصي منظمة الصحة العالمية (WHO) بشدة بإعطاء جرعة اللقاح الأولى خلال 24 ساعة من الولادة لضمان الوقاية الفعالة وتقليل خطر الإصابة المزمنة بشكل كبير. هذا التوصية العالمية تؤكد على الأهمية القصوى للتدخل المبكر في مكافحة هذا المرض الفتاك.

قرار غينيا بيساو: دفاع عن السيادة وحماية الأطفال

أكد وزير الصحة الجديد في غينيا بيساو، الدكتور كوينهين نانتوتي، أن الدراسة “تم إلغاؤها أو تعليقها” لأن “الأسس العلمية لم تُراجع بشكل جيد”، مشدداً على أن القرار يعكس “سيادة البلاد” وحماية أطفالها. هذا الموقف القوي يعكس رغبة الدولة في فرض سيطرتها على القرارات المتعلقة بصحة مواطنيها، ورفض أي ممارسات قد تُفسر على أنها استغلال لضعفها الاقتصادي أو الصحي. على الرغم من تأكيد مسؤولة في مراكز السيطرة على الأمراض الأفريقية أن الدراسة “تم إيقافها”، نفت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية ذلك في البداية، مؤكدة أنها “مستمرة كما هو مخطط” وأن البروتوكول قيد التحديث، مما يشير إلى تباين في الروايات وتصعيد للتوتر.

ونقلت صحيفة «الغارديان» عن مسؤولين في غينيا بيساو أن القرار نهائي ولا رجعة فيه، مشيرين إلى أن البلاد ستستمر في جدولها الحالي لتطعيم الأطفال حتى تعميم اللقاح عند الولادة في عام 2028. هذا يؤكد التزام غينيا بيساو بخطتها الوطنية للصحة العامة، بغض النظر عن الضغوط الخارجية.

تداعيات القرار: محلياً، إقليمياً، ودولياً

يمتد تأثير هذا الخلاف إلى ما هو أبعد من غينيا بيساو. على الصعيد المحلي، يعزز القرار ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية مصالحهم. إقليمياً، قد يشكل هذا الموقف سابقة لدول أفريقية أخرى في مراجعة وتدقيق المشاريع البحثية الممولة أجنبياً، مما يعزز الدعوات إلى شراكات بحثية أكثر عدلاً وإنصافاً. دولياً، يثير الحادث نقاشاً حيوياً حول الحاجة إلى معايير أخلاقية عالمية موحدة للبحث الطبي، تضمن احترام حقوق المشاركين وكرامتهم، وتتجنب أي شبهة لاستغلال الفئات الضعيفة. كما يسلط الضوء على أهمية بناء القدرات البحثية المحلية في الدول النامية لتمكينها من قيادة وتوجيه الأبحاث التي تخدم أولوياتها الصحية.

الوضع الراهن في غينيا بيساو ومستقبل التطعيم

تُعد غينيا بيساو واحدة من أفقر دول العالم، ويعاني نحو 18-19% من البالغين فيها من العدوى المزمنة بالتهاب الكبد B. يُعطى اللقاح حالياً في عمر ستة أسابيع بسبب تحديات الوصول واللوجستيات. ومع ذلك، هناك خطة طموحة لتعميم اللقاح عند الولادة بحلول عام 2027-2028، بدعم من تحالف اللقاحات العالمي GAVI. هذا الالتزام يعكس إدراك الدولة لأهمية اللقاح في مكافحة المرض، ويؤكد أن قرار التعليق لم يكن ضد اللقاح نفسه، بل ضد المنهجية الأخلاقية للدراسة المقترحة.

spot_imgspot_img