في خطوة تعكس استمرار التوتر في العلاقات بين واشنطن وطهران، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء الماضي، عن توجه أسطول بحري أمريكي جديد نحو إيران. وأعرب ترمب عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في التوصل إلى اتفاق بين البلدين، قائلاً في خطاب له: «هناك أسطول رائع آخر يتجه الآن نحو إيران، وآمل أن يتوصلوا إلى اتفاق». يأتي هذا الإعلان في سياق سياسة «الضغط الأقصى» التي تتبعها الإدارة الأمريكية ضد طهران، والتي شهدت تصعيداً ملحوظاً منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018.
تتزامن تصريحات ترمب مع جولة داخلية له في ولاية أيوا، تسبق انتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب، حيث ركز خطابه على قضايا داخلية مثل الطاقة والاقتصاد. ومع ذلك، لم يغب الملف الإيراني عن أجندته، مما يؤكد على أهميته في السياسة الخارجية الأمريكية. هذه ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها واشنطن خطوات عسكرية استعراضية في المنطقة؛ ففي السابق، تم نشر حاملة الطائرات أبراهام لينكولن وقاذفات B-52 في الخليج العربي، بهدف ردع أي تهديدات محتملة للمصالح الأمريكية أو حلفائها.
يُعد السياق التاريخي لهذه التوترات حاسماً لفهم الوضع الراهن. فبعد الانسحاب الأمريكي من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2018، أعادت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، مستهدفة قطاعاتها النفطية والمصرفية. وقد أدت هذه العقوبات إلى تدهور الاقتصاد الإيراني وتصاعد حدة الخطاب بين البلدين، مع اتهامات متبادلة بالمسؤولية عن زعزعة الاستقرار في المنطقة. ورغم هذا التصعيد، لم يغلق ترمب باب الدبلوماسية بشكل كامل، حيث أشار في مقابلة سابقة مع موقع «أكسيوس» إلى أن الوضع مع إيران «متقلب»، لكنه يعتقد أن طهران تسعى فعلياً إلى إبرام صفقة مع واشنطن.
وأكد ترمب على التفوق البحري الأمريكي، مشيراً إلى أن «لدينا أسطول بحري ضخم قرب إيران، يفوق الأسطول الموجود قرب فنزويلا»، رافضاً الخوض في تفاصيل الخيارات الأمنية التي عرضها عليه فريقه. هذه التصريحات تحمل رسالة مزدوجة: تحذير من القوة العسكرية الأمريكية مع ترك الباب مفتوحاً للتفاوض. يرى بعض المحللين أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى دفع إيران نحو طاولة المفاوضات من موقع ضعف، بينما يخشى آخرون من أن تؤدي إلى سوء تقدير وتصعيد غير مقصود.
إن أهمية هذا الحدث وتأثيره المحتمل تتجاوز الحدود الإقليمية. فعلى الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي أي تصعيد عسكري في الخليج إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لتجارة النفط العالمية، مما يهدد استقرار أسواق الطاقة. كما يثير هذا التوتر قلق حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، الذين يراقبون عن كثب تطورات الوضع. دول الاتحاد الأوروبي، التي حاولت الحفاظ على الاتفاق النووي، تجد نفسها في موقف صعب، حيث تسعى لتهدئة التوترات مع الحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران.
على الصعيد الدولي، يمكن أن تكون تداعيات أي مواجهة عسكرية وخيمة، ليس فقط على أسعار النفط العالمية ولكن أيضاً على الاستقرار الجيوسياسي. فالدبلوماسية، رغم التحديات، تظل الخيار الأفضل لتجنب صراع قد تكون له عواقب كارثية. وقد شدد الرئيس الأمريكي نفسه على أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائماً، قائلاً: «إنهم يريدون إبرام صفقة. أعلم ذلك. لقد اتصلوا بي في مناسبات عديدة.. إنهم يريدون التحدث». هذا التوازن الدقيق بين استعراض القوة وفتح قنوات الحوار يحدد ملامح المرحلة القادمة في العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران.


