بعد مرور نحو أربع سنوات على بدء الصراع المسلح بين روسيا وأوكرانيا، والذي تصاعد بشكل كبير مع الغزو الشامل في فبراير 2022، تُظهر تقديرات مراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية حجمًا كارثيًا للخسائر البشرية. فقد أشارت دراسة حديثة نشرها مركز أبحاث أمريكي إلى أن عدد الضحايا من العسكريين من الجانبين، بين قتلى وجرحى ومفقودين، يقترب من مليوني شخص. هذه الأرقام المروعة تسلط الضوء على التكلفة الباهظة للحرب وتأثيرها المدمر على الأرواح والاقتصادات.
السياق التاريخي وتصاعد الصراع
لم تبدأ الأزمة الحالية في عام 2022، بل تعود جذورها إلى عام 2014 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في منطقتي دونيتسك ولوهانسك بشرق أوكرانيا. هذه الأحداث مهدت الطريق لتصعيد التوترات التي بلغت ذروتها بالغزو الروسي واسع النطاق في 24 فبراير 2022. منذ ذلك الحين، تحولت أوكرانيا إلى ساحة معركة واسعة، مما أدى إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والجيوسياسية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. الصراع ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو صراع على السيادة الإقليمية والنفوذ الجيوسياسي، مع تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الدولتين.
خسائر بشرية غير مسبوقة وتقدم روسي بطيء
تُشير التقديرات إلى أن روسيا تكبدت خسائر بشرية فادحة، حيث بلغ عدد قتلاها 325 ألفًا منذ بداية الحرب، ووصل إجمالي ضحاياها (قتلى وجرحى ومفقودين) إلى 1.2 مليون. يلفت مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن هذه الأرقام لم تشهدها أي قوة عظمى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية، مما يؤكد على شراسة القتال. ورغم هذه الخسائر، فإن القوات الروسية تتقدم ببطء ملحوظ في الميدان، مما يعكس المقاومة الأوكرانية الشرسة والدعم الدولي لكييف.
من جانبها، تكبدت أوكرانيا خسائر بشرية جسيمة أيضًا، حيث يُقدر عدد ضحاياها بما يتراوح بين 500 ألف و600 ألف، منهم ما بين 100 ألف و140 ألف قتيل، وذلك في الفترة ما بين فبراير 2022 وديسمبر 2025. هذه الأرقام تُظهر التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الأوكراني في دفاعه عن وطنه. ويُقدر المركز أن إجمالي عدد الضحايا من الجانبين قد يصل إلى مليوني شخص بحلول ربيع 2026، وهو رقم صادم يعكس حجم الكارثة الإنسانية.
المدنيون في مرمى النيران والعام الأعلى قتلاً
لم تقتصر الخسائر على العسكريين، فقد تحمل المدنيون نصيبًا كبيرًا من ويلات النزاع. كشف تقرير لبعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا أن عام 2025 كان الأعلى من حيث عدد القتلى المدنيين منذ بدء الحرب في عام 2022، حيث قُتل فيه أكثر من 2500 مدني. ومنذ 24 فبراير 2022، سجلت الأمم المتحدة نحو 15 ألف قتيل و40,600 جريح من المدنيين الأوكرانيين، مما يؤكد على التأثير المدمر للحرب على الحياة اليومية للمواطنين الأبرياء.
تتفوق القوات الروسية عدديًا على الأوكرانيين في ساحة المعركة بنسبة ثلاثة إلى واحد تقريبًا، وتتمتع روسيا بكتلة سكانية أكبر لتعويض صفوفها، بينما تواجه أوكرانيا تحديات أكبر في تعويض جيشها الأصغر حجمًا. وقد حافظت روسيا على مستويات قواتها رغم الخسائر العالية من خلال تنفيذ أول عملية تجنيد إلزامي منذ الحرب العالمية الثانية، وتجنيد السجناء والمدينين، وتقديم مكافآت للمجندين الجدد. كما شارك ما يصل إلى 15 ألف جندي من كوريا الشمالية في القتال إلى جانب الروس، خاصة في منطقة كورسك الغربية، مع تقارير عن مقتل المئات منهم.
ضغوط على اقتصاد الحرب وتأثيرات عالمية
تجاوزت تداعيات الحرب الخسائر البشرية لتشمل الاقتصاد الروسي، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة. صرح سيث جونز، أحد معدي الدراسة، بأن الحرب أصبحت عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد الروسي، حيث يواجه اقتصاد الحرب تراجعًا في التصنيع وتباطؤًا في النمو إلى 0.6% في عام 2025، بالإضافة إلى غياب شركات التكنولوجيا التنافسية عالميًا. هذه الضغوط الاقتصادية، إلى جانب العقوبات الدولية المفروضة على روسيا، تؤثر على قدرتها على تمويل المجهود الحربي على المدى الطويل.
على الصعيد العالمي، كان للحرب تداعيات واسعة النطاق، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتفاقم أزمة اللاجئين في أوروبا. كما أدت إلى إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية وزيادة الإنفاق الدفاعي في العديد من الدول الأوروبية، مما يعكس حالة عدم اليقين التي خلقتها الحرب. إن استمرار الصراع بهذه الوتيرة ينذر بمزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية، ويضع عبئًا ثقيلًا على المجتمع الدولي لإيجاد حل سلمي لهذه الأزمة المدمرة.


